إذا استثنينا هذا القفص الجسدي الذي هو الشيء الوحيد الذي يتراءى لنا من كيان الإنسان، فإنه يتكون من حقيقتين اثنتين مجردتين، هما العقل المدرك للأشياء، والعاطفة التي هي مناط حب أو بغض للأشياء.

والقرار الذي انتهى إليه جُلّ العلماء أن مكان العقل المُدرك من كيان الإنسان هو الدماغ، وأن مكمن العاطفة من كيانه هو القلب.

غير أن التعبير الأكثر دقة أن يقال: إن الدور في كل ما يتعلق بالإحساس والإدراك والعاطفة إنما هو للروح التي هي سر من أسرار الله تعالى، ينعكس على خلايا الجسد ويسري فيها، فيتكون من ذلك الإحساس وينعكس على الدماغ فيتحقق من ذلك الوعي والإدراك، وينعكس على عضلة القلب فتنبثق من ذلك العواطف الدافعة والرادعة والممجدة، أي الحب والكراهية والتعظيم.

إذن فبوسعنا أن نعلم أن الروح الإنسانية هي التي تتمتع بمقومات العلم والإدراك، وهي التي تمد الإنسان بحقيقة الإحساس والشعور، وهي التي تمد الكيان الإنساني بالحب والكراهية والتعظيم. فلم يبق تحت اسم -الإنسان- إلا صورة اللحم والدم والعظام.

ولكن كيف يتقاسم العقل والوجدان عمليات القيادة للإنسان؟ كيف يجري التنسيق بينهما في إصدارهما الأحكام والسلوك؟ وهل يجري التنسيق بينهما في ذلك فعلًا؟

والجواب: أن دور العقل في ذلك محصور في الكشف والدلالة فهو أشبه ما يكون بالدور الذي تؤديه المصابيح المثبتة في مقدمة السيارة. أما العاطفة فدورها يتمثل في الدفع إلى السلوك، فهي أشبه ما تكون بالوقود الذي في داخل السيارة.

قالوا عن الحب إنه التعلق على سبيل الاستئناس بقرب المحبوب والاستياحش ببعده.

كل محبوب جميل، لكن هذا البيان لا ينعكس، إذ لا يلزم أن يكون كل جميل محبوبًا، الجمال جزء من المحبوبية، والمحبوبية هي الأصل، عندما يكون شيء محبوبًا سيكون جميلًا قطعًا، جزء الشيء لا ينفصل عن كله، ويكون ملازمًا للكل.

في زمان المجنون كان هناك حِسان أجمل من ليلى لكنهن لم يكن محبوبات للمجنون.

كانوا يقولون للمجنون هناك حِسان أكثر جمالًا من ليلى نأتيك بهن، فكان يقول: حسنًا، أنا لا أحب ليلى من أجل صورتها وليلى ليست صورة.

ليلى في يدي مثل كأس وأنا أشرب من كأس الشراب تلك، وهكذا فإنني عاشق للشراب الذي أشربه من الكأس، لكم أنظار ترى القدح فقط وليس لديكم معرفة عن الشراب.

إذا كان لدي قدح ذهبي مرصع بالجواهر وفيه خلّ أو شيء آخر غير الشراب فماذا يفيدني؟

إن فرعة قديمة مكسرة فيها شراب خير عندي من ذلك القدح ومن مئةٍ من مثل هذا الشراب.

لا بد للإنسان من العشق والشوق حتى يعرف الشراب بعيدًا عن القدح، مثل إنسان جائع لم يطعم شيئًا على امتداد 10 أيام وإنسان متخم يأكل كل يوم خمس مرات، كلاهما ينظر إلى الصورة لكن المتخم يرى صورة الخبز أما، الجائع فيرى صورة الروح، لأن هذا الخبز مثل القدح، واللذة التي يُحدثها كالشراب في القدح، وذلك الشراب لا يمكن رؤيته إلا بعين الاشتهاء والتشوق.

وهكذا اظفر بالاشتهاء والشوق حتى لا تكون مجرد راءٍ للصورة بل في كل كون ومكان يمكن أن ترى المعشوق.

صور هؤلاء الخلق مثل الكوؤس وهذه العلوم والفنون والمعارف نقوش للكؤوس. ألا ترى كيف أنه عندما تُكسر الكأس لا تعود تلك النقوش موجودة؟ فالشراب إذن هو الشيء الذي هو في كأس القوالب المادية ومن يشرب هذا الشراب يرى -الباقيات الصالحات. وادي العشق كل من سار فيه فهو في نار وحرقة لا يعرف الكفر من الإيمان كما يتساوى أمامه الخير والشر، والعقل غير جدير بهذا الوادي فهو عاجز عن إدراك أسرار العشق، والعشق يوجب على السالك أن يقوم بأي عمل مهما صعب من أجل المعشوق، والسالك في ذلك الوادي يجب أن يتخلى عن كل ما يملك فالعشق والإفلاس قرينان، والعاشق يقدم روحه طواعية تلبية لأمر المعشوق ويكره الوسائط بينه وبين معشوقه.

الحب الذي يأتي به القلب وحده، تذهب به صحوة صادقة من العقل، فالخطب فيه يسير. والحب الذي يأتي به العقل وحده تقضي عليه نزوة من عاطفة متمردة فأمره هو أيضًا يسير. أما الحب الذي يأتي به العقل والقلب معًا فداءٌ عضال لا يذهب به إلا جنون مطبق أو موت مريح.

فتعلق الفاني بالفاني يفنيه وتعلق الفاني بالباقي يبقيه. فكيف بمن عشق ربه؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد