الحقيقة الوحيدة التي يعترف بها الفن هي الإنسان، وشوقه الأبدي لتأكيد ذاته، لإنقاذ نفسه”  علي عزت بيجوفيتش

لطالما ارتبط وجود الإنسان على الأرض بسؤاله عن الذات، وسعيه لإثبات وجودها لنفسه قبل الآخرين، سواء كان طريقه إلى ذلك العقل أو الروح، أو كليهما معًا؛ وجاء الفن، كوسيلة تعبير صادقة عن حقيقة الإنسان، متجاوزًا اللغات المنطقية الجافة، والفلسفات العقلانية، جاء عن الإنسان ومن أجل الإنسان، معبّرًا عن ذاته، ومكابدته، وحياته كما هي، بغير محاولات التجمّل، وإقحام كل ما هو حدّي ويقيني؛ لإسباغ الصورة القيمية التي تفرض إجاباتها، جاء منشغلًا بالسؤال لا الإجابة.

وأمام هذه الحقيقة، ينبغي التأكيد على أنني لست بصدد تمجيد الفن لما يقوم به، بل الأمر أقرب إلى الوعي بحقيقته، والتي إن قامت بالتعبير بصدق عن الإنسان في جميع حالاته، فقد تجاهلته على حساب المادة في بعض الحالات، ولم تستطع الارتقاء بما في نفسه في حالات أخرى، لا سيما في أعمال عالم ما بعد الحداثة، حيث السيولة وذوبان الإنسان، فالأمر في النهاية يرجع إلى رؤية صانع العمل إلى العالم، وما ينبغي أن يكون عليه، في نظره؛ لا إلى حقيقته المُطلَقة.

من الأسئلة التي فَرَضَت نفسها وبقوة في عالم الفن اليوم، الأدبي كان أو السينمائي، كيف يستطيع صانع العمل الفني، أن يعبّر عن أفكاره الفلسفية، بغير تمركز حول الفكرة لا الإنسان، الذي وإن صَدَق في التعبيرعنه سيقوم بالتعبيرعن فكرته لا إراديًا؟

إشكالية وقع فيها الكثير من عظماء السينما والأدب اليوم، وتحفّظ النقاد على أعمالهم، على عبقريتها؛ لكونها تجاوزت جوهر الفن، وصارت أقرب إلى الفلسفة، هذه الإشكالية نفسها التي يقع فيها النقاد والمُتَلَقون في تعاملهم مع الأعمال الفنية، من خلال إسقاطات فلسفية مُطلَقة مُنطلِقَة في الأساس من رؤى ذاتية للعمل، ولا يعني هذا رفض المراجعات والنقد بشكل مُطلق، فما أقوم به في مقالي، هو تناول ذاتي لإسقاطات شخصية لعمل فني، لا تعني بالضرورة أن صانع العمل قد قصدها حرفيًا، إنما ترجع إلى رؤى شخصية تختلف من شخص لآخر، وهذه السعة في التناول هي التي تثري عالم الفن، وتحاول العودة به إلى حقيقته بالتعبيرعن الإنسان نفسه، ففي الغالب نحن نرى في العمل الفني ما نود أن نراه وما يعبّر عنّا.

هذا أمر وددت التأكيد عليه قبل أن أشرع في تناول موضوع مقالي، فيلم الرجل الطائر أو Birdman؛ لأنني لا أقوم بالتحليل الفني أو السينمائي، ولا أتناول أفكارًا فلسفية، بل هي محاولة لعرض مجموعة مركبّة من الأفكار والمشاعر ارتأيت أن الفيلم قد قام بالتعبير عنها.

الرجل الطائر.. أو الفضيلة غير المتوقعة للتجاهل:

“حقيقة الشيء هي ذاته، لا ما يراه الآخرون”.

كُتِبت هذه الكلمات على ورقة مُعلّقة على مرآة في غرفة صغيرة، يظهر فيها انعكاسٌ لرجل يقوم بارتداء ملابسه بعد أن خلص من تأملاته، وهو مسترخٍ مُعلّق في الهواء؛ حول العالم و نفسه و”كيف آل الحال به إلى هذا المكان، الذي لا ينتمي إليه”.

هكذا بدأ المخرج والكاتب الميكسيكي أليخاندرو إناريتو فيلم الرجل الطائر، أو الفضيلة غير المتوقعة للتجاهل، والذي حاز على 4 جوائز أوسكار؛ كأحسن فيلم، وأحسن سيناريو، وأحسن إخراج، وأحسن تصوير. ويكفي أن تعلم أن الفيلم ليس سياسيًا، ولا تاريخيًا، ولا يخدم مصالح السياسات الأميريكية، حتى تظن أنك أمام فيلم جدير بالاهتمام، بغض النظر عن أحقيته لهذه الجوائز.

مخالِفًا لأنماط أعماله السابقة، قدّم أليخاندرو عملًا فريدًا، يجمع بين قوة الفكرة وعمق الشخصية؛ فلم تتجاوز الأفكار شخصيات الفيلم، ولم تختفِ الفكرة وراء شخصياته.

يتناول الفيلم قصة “ريجان تومسون”، والذي قام بدوره الممثل مايكل كيتون، الذي تشابه مع بطل الفيلم في كونه بطل سلسلة أفلام شهيرة عن رجل خارق. وما بين “الرجل الوطواط” و”الرجل الطائر”، يقف “كيتون” أو “ريجان” الذي نسيه الجمهور بعدما احتفوا به، محاولًا إثبات قيمة ذاته، وحقيقتها من خلال عمل مسرحي درامي يقوم بإخراجه وتأليفه والتمثيل فيه، يتجاوز معه سطحية أفلام الأبطال الخارقين، والرؤية المُبتَذلة لها، كما يتجاوز به أزماته المادية والشخصية من علاقته المضطربة مع ابنته وزوجته.

ومعياره الوحيد لتحقيق ذلك هو “الجمهور”؛ بعودتهم مرة أخرى للاحتفاء به، وإدراكهم لحقيقته، التي لا يدركونها.

يتعرّض أليخاندور ها هنا لأزمة إنسان ما بعد الحداثة في محاولته لإثبات ذاته، والوصول إلى حقيقتها في عالم الزيف، بينما يشكّل سؤال الآخرين وعلاقتهم بالفرد، ومدى إشباعهم لحاجاته النفسية والعاطفية؛ محور هذه الأزمة.

ويمكن القول، أنه استطاع توظيف العمل في خدمة فكرته، ليعبّرعنها بكل الوسائل الممكنة، بدءًا من اختياره لأبطال العمل كممثلين في مسرحية، يعيش كل منهم عالمين، عالم الحقيقة، وعالم التمثيل “المزيّف”، حيث يتجاوز الممثل ذاته ليقوم بدور لا يعبّر عن حقيقتها؛ بينما يمتزج عند أبطاله عالم الحقيقة بعالم الزيف، فنجد أدوارهم تعبّر عمّا في نفوسهم أو عمّا صدر منهم في الحقيقة أحيانًا، أوعن عكسها أحيانًا أخرى، في سؤال عن “ما الحقيقي؟ وما المُزيّف؟”.

لجأ أليخاندرو إلى وحدة المكان، حيث المسرح، ومحيطه، والذي نادرًا ما نجد لقطات خارجه، ووحدة الزمان، مستعينًا بالتصوير والإضاءة والموسيقى التصويرية، حيث تعاقًب المشاهد واتصالها، إلا في مشاهد بعينها.

يتميز عالم “الرجل الطائر” بالسيولة، يختلط الزيف بالحقيقة، والخيال بالواقع، لا وجود لمساحات فاصلة، ولا صلابة، فـ”ريجان” يظن في نفسه، أنه صاحب قدرات خارقة لا يعلمها الآخرون، ولا يقدّرونها، وهذا ما يجعله دائمًا يرى أنه أفضل من الجميع، وفي الوقت نفسه؛ في حاجة إليهم، لتقدير ذاته. إلا أننا لا نستطيع أن نرى هذه الحدود الفاصلة بين الواقع،حيث رجل مجنون لا يمتلك أي قدرات خارقة؛ والخيال، حيث بطل خارق يمكنه الطيران، وتحريك الأشياء عن بُعد، وإلقاءها.

لا أحد يحبني.. إذن أنا لست موجودًا!:

في أوج حاجتنا إلى حب الآخرين، قد تذوب ذواتنا وتفنى فيهم، وفي تعطشنا إلى التقدير قد نقع أسرى تحت أحكامهم واحتفائهم المُصطنَع. ننتظر منهم الكلمة والفعل والإعجاب؛ في محاولة لإثبات وجودنا، حتى نسينا حقيقتنا على أعتاب الانتظار. وأمام الخذلان أو الزيف أو كليهما؛ نفقد الحب، والتقدير، ونفقد أنفسنا.

أين ذواتنا من الآخرين؟ وما حقيقة الحب فينا وفيهم؟ كيف لا نجعل وجودنا وقفًا على حبّهم وتقديرهم؟
هل ينبغي علينا أن نكره الجميع لنحافظ على ما تبقى منّا؟ أن نختفي؟ أن نلعن العالم كل يوم وكل ليلة على ما أحدثه فينا؟ أم نختار الاستسلام ونتماهى مع الزَيْف؟

في تناوله للـ”حب”، يتجاوز أليخاندرو النظرة المثالية الرومانسية، وقصص العاشقَيْن، ممن جمعتهما الأقدار، أو فرقتهما، أو أودت بهما إلى الهلاك، إلى السؤال عن ماهية “الحب”، وحقيقة وجوده في العلاقات بالآخرين، بدءًا من العلاقات القريبة، وحاجة الإنسان إلى الحب فيها، في عاشق/ة، في زوج/ة، في أب/أم، إلى العلاقات البعيدة، التي ينتقل فيها الإنسان من رؤية ذاته باعتباره فردًا في جماعة صغيرة، إلى شخص يستحق التقدير من الجماعات الكبيرة. وهذا الانتقال والتشابك والتركيب في العلاقات والمشاعر والأفراد، يصيب المُشاهِد بالإرباك في محاولة لفهم مقصده بـ”الحب”، وحقيقته، ومدى ارتباطه بالتقدير والإعجاب.

“- في النهاية، هل حصلت على ما تريد من هذه الحياة؟

– نعم.

– وما الذي أردته تحديدًا؟
– أن أكون محبوبًا، أن أشعر أني محبوب على هذه الأرض”.

ينتقل ريجان إلى المسرح للمشاركة بدوره في البروفة الأولى للمسرحية، والتي بعنوان “ماذا نقول حين نتحدث عن الحب؟”، وهو اسم مجموعة قصص قصيرة صدرت عام 1981م، للكاتب الأميركي “ريموند كارفر”، الذي ذكر “ريجان” أنه السبب في كونه ممثلًا. يتحدث الممثلون عن الحُب المُطلَق، والحب الذي يستعد المرء للموت في سبيله، فقد أطلق البطل النار على نفسه، لكنه لم يفلح، وأصاب فمّه، وهذا نفسه ما حدث مع ريجان في نهاية الفيلم، حين حاول أن يطلق النار على نفسه، ولكنه أصاب أنفه، أو قصد إصابتها دون أن يردي نفسه قتيلًا.

يظهر ريجان في الفيلم في صراع مع بطله “الرجل الطائر”، صوته الداخلي، الذي سلَب منه هويته، وفي نفس الوقت؛ كان سببًا في تفوقه على الآخرين، بقدراته الخارقة.

بعد اتجاه ريجان إلى التمثيل، بدأ في إهمال زوجته وابنته، مرتكزًا حول ذاته، غير مبالٍ بهما، وبما وَصَلا إليه في حياتهما، لا يرى وصْلًا إليهما إلا بما يراه الآخرون. هجرته زوجته يوم رماها بسكين؛ لأنها أخبرته أنها لم تحب الفيلم الكوميدي الذي قام بالتمثيل فيه، تسترجع المشهد بعد سؤاله “لماذا انفصل كل منّا عن الآخر؟”، وتخبره:

“أنت دائمًا ما تخلط بين الحب والتقدير!”

يمثّل ريجان حالة انتقال من دائرة العلاقات الصغيرة، والمشاعر الخاصة، حيث الزوجة والأبناء، إلى الدائرة الكبيرة، حيث الشهرة، والجمهور، والوفرة في المشاعر، والإحساس بالانتشاء وقيمة الذات من الاحتفاء والتقدير، ثم الوقوع تحت سطوتهما، وتضخم الأنا، وإخضاع الدائرة الصغيرة، على خصوصيتها؛ إلى عالم إعجاب الدوائر الكبيرة. إلى أن ينقشع الغبار عن حقيقة هذا التقدير المُصطَنَع الذي لا يرى الإنسان إلا كما يود أن يراه، غاضًا الطرف عن حقيقته، خاضعًا إياه للقوالب والرؤى التنميطية. وبعد أن فقد المشاعر من الدائرتين الكُبرى، والصغرى، يعود للتمسك بأناه المتضخمة، الأفضل من الجميع، والتي تستحق أن تقوم بعمل أكثر قيمة، يحتفي كل من حوله به ويقدرونه.

هنا يقع ريجان عبدًا تحت سطوة استبدادين، استبداد الأنا المتضخمة، واستبداد رؤية الآخرين له، ومن ثمّ يتعرّض إلى تشويش في رؤية المشاعر، وإدراك حقيقتها، والحكم عليها؛ كيف تحبه زوجته ولا تقدّر أعماله؟ كيف تحبه ابنته ولا تفني نفسها من أجله؟

كيف لا يحبه الجميع، ومنهم زوجته وابنته؛ وهو العبقري، صاحب الأعمال القيمة، التي تُلاقَى بالاحتفاء من الآخرين؟

في أحد مشاهد المسرحية، يقوم “ريجان” بدور رجل يتحدث عن الحُب الحقيقي، محاولًا تمثيله في قصة عاطفية لعجوزين أصيبا في حادث سيارة، يروي القصة ويبدو عليه التأثّر؛ فالزوج قد بدا مكتئبًا لأنه نتيجة للإصابات، وصعوبة الحركة؛ لم يستطع رؤية زوجته بعينيه، حتى بعد علمه أنها ستنجو.

“أنا أقول لكم، قلب الرجل كان منفطرًا، فقط لأنه لم يتمكن من تحريك رأسه ليرى زوجته”.
على الجانب الآخر، نجد الحاجة إلى الحب بارزة في نساء “الرجل الطائر”، بصور ومعانٍ مختلفة؛ فنرى الابنة “سام”- “إيما ستون”، التي كانت في حاجة لوجود أبيها، فقط مجرّد الوجود، وحين لم تجده، اتجهت إلى “الاختفاء” عن ومن الجميع.

ثم “ليزلي”-“ناعومي واتس”، التي لم تطمح سوى لكلمات تقدير وإعجاب، ولم تجد سوى الإهانة من صديقها “مايك”-“إدوارد نورتون”، الذي لا يبالي بمشاعر الآخرين، وكما تصفه؛ “يتعمّد إذلالها”، فاختارت في النهاية الانفصال عنه.

في مشهد لها في المسرحية، تحكي عن زوجها، الذي، ولخمسة أعوام؛ لم يخبرها أنه يحبها.

أمّا “لورا”-“أندريا ريسبوروج”، صديقة “ريجان”، ضعيفة الثقة بنفسها، والتي لا تجد غضاضة في الشعور بالإهانة من الجمهور، لم تحتمل الإهانة من الشخص الوحيد الذي انتظرت منه التقدير، وحاولت بكل الطرق إثارة انتباهه؛ فادّعت أنها تنتظر طفلًا منه، ثم أخبرته الحقيقة فيما بعد، في أحد مشاهد الواقع تبدي لورا لريجان تأسّفها على ذلك، ورغبتها الحقيقية بأن تكون أمًا، أمّا على المسرح، فتقول في مشهد عُرِف بـ”الحُلم”:

“أعتقد أننا نختار اختياراتنا في الحياة، ونختار التعايش معها قبل ذلك..

أنا لم أرد هذا الطفل، ليس لأني لا أحب نيك، وليس لأني لا أحب الفكرة، فقط لأني لم أكن مستعدة لأحب نفسي. ثمّة معنى وراء كل هذا، معنى حزين”.

في العالمين، لم تحب لورا نفسها.
تنتهي المسرحية بمشهد لريجان يكتشف فيه خيانة زوجته، وتخبره بعدم حبها له، يقول فيه:

“لا أحد يحبني.. أنا لست موجودًا.. أنا لست موجودًا!”

ثم يُطلِق النار على نفسه.

بين الحقيقة والزيف:

في البحث عن حقيقة الذات، ومحاولة الهروب من أسر رؤى الآخرين، وخذلانهم المتكرر، قد نقع في حالة من العبثية والتعالي على الجميع بكراهيتهم، أو الانزواء عنهم، لا حاجة لنا بهم إذن، ولا لحبّهم، ذواتنا تكفي، والبحث عن حقيقتنا يكفي. لكن كيف نشفى من كل هذا الخوف فينا؟

إن كانت “سام” مثّلت محاولة الهروب بالاختفاء، فإن “مايك” قد لجأ إلى العبثية، لكن دائمًا وأبدًا للعبثية وجوه أخرى.

“إدوارد نورتون” أو “مايك شاينر” الممثل العبثي الذي لا يكترث بالشهرة أو بالآخرين، وحقيقة مشاعرهم تجاهه، وما يقولون عنه، وهو ما يُكسِبه العداءات؛ يرى نفسه بأنه “سيد الحقيقة”، الباحث عنها، حتى في عالم الزيف، عالم المسرح. يشرب خمرًا حقيقيًا، حتى يثمل، وحين يكتشف “ريجان” فعله، ويستبدل الماء بالخمر، يثور عليه، ويخرج عن النص أمام الجمهور، مؤكدًا لهم أن كل ما على المسرح ليس حقيقيًا، صارخًا فيهم:

“كفاكم نظرًا إلى العالم من خلال شاشات هواتفكم، استمتعوا بالخبرة الحقيقية!

هل يكترث أحد بالحقيقة غيري؟”

وحينما يلومه “ريجان” على تصرّفه، يجيب:

“الليلة سيضحكون، غدًا سيغردون على تويتر، من يهتم؟!”

تعتبر شخصية “مايك شاينر” من أكثر الشخصيات تركيبًا في الفيلم بعد شخصية “ريجان”، ولا يستطيع المشاهد أمام هذا التركيب أن يأخذ تجاهه موقفًا محددًا، فتارة نكرهه على حماقته مع الآخرين وعدم احترامه لمشاعرهم، وتارة نشعر بأنه الشخص الوحيد الذي ربما يكترث بالحقيقة في هذا العالم، وتارة أخرى نشعر بالشفقة عليه لكل هذا الخوف والحزن فيه، والذي لم يظهر إلا في حواراته مع سام، خارج عالم المسرح، أعلى المبنى.

تقول له ليزلي:

“أنت على المسرح سيد الحقيقة، لكنك في الواقع مخادع ووضيع”.

تحاول سام أن تلعب معه لعبة “حقيقة أم جرأة”، ويختار دائمًا الحقيقة، ولا يجرؤ على اختيار الجرأة، تخبره سام: “أنت ممل!”، فيجيب: “الحقيقة دائمًا مثيرة!”، أخبرها أيضًا أن سيد الحقيقة، لا يشعر بكونه حقيقيًا إلا على المسرح، أما عالم الحقيقة، فهو عالم الزيف بالنسبة له.

تسأله سام:

“- إن لم تكن خائفًا، ما الذي تريد أن تفعله بي؟

– أقتلع عينيكِ من رأسك، وأثبتهما في جمجمتي حتى أستطيع أن أرى العالم مثلما كنت أراه وأنا في مثل عمرك”.

تلجأ “سام” إلى “مايك”، وفي مشهد عابر، نرى أن كلا الفتاتين “ليزلي” و”لورا”، و بعد شعورهما بالخذلان المتكرر، وفي ذروة الشعور بالأسى، والحِرمان، يلجآن لبعضهما، في اختيار للتخلّي عن الرجل، ومشاعره الجافة في حياتهما.
فإلى مَن سيلجأ “ريجان” بحثًا عن الحقيقة؟

يخرج “ريجان” خارج المسرح، ليدخن سيجارًا، ينغلق الباب على ردائه، ولا يستطيع الإفلات إلا بالتحرر منه. حتى يصل إلى الباب الآخر من المسرح، كان عليه أن يسير في الشارع أمام الجماهير الغفيرة عاريًا، ينتبه الناس إليه، ويقومون بتصويره، يُرفع الفيديو على اليوتيوب، ويحصد آلاف المشاهدات في بضع دقائق.

“أنت تكره أصحاب المدونات، تسخر من تويتر، وليس لديك صفحة على الفيس بوك، إنك أنت مَن لست موجودًا!”

هنا يبدأ معنى الوجود في أخذ منحنى آخر في علاقة الفرد بالآخرين؛ فلم يعد الأمر متوقفًا على مجرّد الحب، والاحتفاء من النقّاد، والبروز على الصفحة الأولى، بل على الوجود في العوالم الافتراضية، وكثرة المتابعين والمعجبين، وعدد المشاهدات على اليوتيوب.

في محاولة ريجان للجمع بين تقديره لذاته، وتقدير الآخرين لها، كان عليه أن يختار. وفي عالم “الأبطال الخارقين” ومواقع “التواصل الاجتماعي” حيث يتلاشى الفرد وراء قناعات مزيفة، ويتماهى مع الزيف فقط للحصول على التقدير؛ يختار “ريجان” في النهاية ذلك التماهي، واصفًا إياه بالحقيقة.

“أنت لست ممثلًاعظيمًا، ما المشكلة إذا؟ لا تنس أنك نجم لامع وبطل خارق قد مهد الطريق لهؤلاء المهرجين. أنت “الرجل الطائر” الذي ينقذ الناس من حيواتهم البائسة ويعطي المشاهدين ما يريدون، نيران وأجنحة وتفجيرات هائلة وعظام تتهشم، الجمهور يعشق الدماء والحركة وليس ذلك الهراء الفلسفي المحبط”.

“تعلمين لدي هذا الصوت الداخلي الذي يحدثني ويخبرني بالحقيقة، إنها مريحة!”

أين الحقيقة؟ وأين الزيف؟ هل التماهي مع الواقع المزيّف حقيقة، والعيش في الخيال، ومكابدة الإنسان من أجل تحقيق ذاته، زيف؟

هل كان “ريجان” حقيقيًا في أي من حالاته؟

في هدوء، وسلام نفسي تام، يختار ريجان أن ينهي مشهد المسرحية بـ”حقيقة” إطلاق النار على أنفه. يحتفي الجميع به، يتصدّر الشاشات وصفحات الإعلام، يحقق وجوده على تويتر بآلاف المتابعين، ويعود الأبطال الخارقين للوقوف على المسرح في مشهد راقص.

لم يسلم العقل من كل هذه الفوضى، فاحتفى به هو أيضًا، من خلال مقال للناقدة “تابيثا ديكينسون” – “ليندسي دانكن”، التي أخبرته من قبل أنها ستقتل مسرحيته، لأنها تكرهه، وتكره أعماله، فما يقوم به أبعد ما يكون عن الفن الحقيقي. وفي سؤال عن معنى النقد، وحقيقة الدور الذي يقوم به في المجتمع، وتوجيه آراء الجمهور، ونظرة الناقد العقلانية للعمل الفني، يسألها “ريجان”: “ما الذي يحدث لحياة الفرد ليصير ناقدًا في النهاية؟”، فما تكتبه من مراجعات، بالنسبة له؛ لم يكن إلا مسميات وكلمات. فهي لا تدري حقيقة الأشياء، ولا حقيقة الفن بغيرهما. إلا أن هذه الكلمات قد خضعت في النهاية لصورة الفن “الخارقة”، ووصفته بـ”الحقيقي”.

أمّا صديقه المُنتِج “جيك” الذي مثّل حالة التماهي التام مع الواقع، من خلال الجَشَع، وإعلاء المادة على حساب الإنسان، لم يجد أي غضاضة في كون صديقه قد خسر أنفه، طالما حصل على أنف جديدة، وتصدّر الصحف والشاشات، ليسأله في النهاية:
“أليس هذا ما كنت تريده؟!”.

ينتهي الفيلم بموت إنسان ما بعد الحداثة، وقفز “ريجان” من نافذة غرفته في المشفى، تعود “سام” فلا تجده، تتجه إلى النافذة، وفي مشهد مُربِك، تنظر إلى أسفل باحثةً عنه ثم إلى أعلى، ثم تضحك، لتترك المشاهد في سؤال عن:

“ماذا رأت؟
ما الحقيقة
وما الزيف؟
ما الواقع؟
وما الخيال؟”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد