«لم أكن الوحيد المعارض للدستور .. ما دامت الأمة تريد تجربة مسؤوليتها عن مقدراتها وحكم نفسها .. فليكن ما تُريد» …هكذا علق السلطان عبد الحميد الثاني علي الدعوات المطالبة بالدستور، والتي وجدت فيه السبيل من أجل إصلاح الدولة واستعادة عنفوانها من جديد. استجاب المستبد، بالرغم من رفضه؛ وهو الرفض الذي شاطره فيه عدد من رجال الدولة، كالصدر الأعظم خير الدين التونسي (1820 – 1890م) الذي علق على مطلب الدستور فقال: ينبغي التفكير كثيرًا قبل تسليح الأجلاف بالقانون، كما اتسق في الرؤية ذاتها أدهم باشا (1818-1893م) وهو أحد أبرز القادة في الدولة العلية؛ليبقى السؤال: لماذا كان هناك رفض للدستور؟ خاصة ونحن بصدد الحديث عن حاكم حظي بثناء الكافة، فقد تحدث عنه جمال الدين الأفغاني واصفًا إياه بالرجل الداهية الذي ألم بدقائق الأمور السياسية، ومرامي الدول الغربية تجاه الدولة العلية إلى جانب تأييده لنهضة المسلمين. هذا ولم يكن ساسة الغرب بمعزل عن مدح السلطان عبد الحميد حيث عُرف بينهم بإجادته العواء مع الذئاب (في إشارة لأطماع الدول الاستعمارية) فما الذي يدفعه للرفض؟ والإجابة على السؤال تستلزم معرفة الرؤية الحميدية تجاه (الحضارة) الغربية.

السلطان حميد (عبد الحميد الثاني)

تبنى السلطان عبد الحميد رؤية خاصة تجاه المدنية والأخذ عن الغرب؛ إذ لم يرد من الحضارة (التراث والثقافة) الغربية سوى العلوم الحديثة فحسب، على أن يتم الاستفادة منه بصورة تدريجية، فالتمدن ينبغي أن يكون في إطار الدين والعادات وتلاحم الناس. فقد وجد أن الشرق لديه حضارة إسلامية متكاملة شكلت الأساس الذي قامت عليه النهضة الأوروبية، فالإسلام وفق رؤيته ليس عدوًا للتقدم، وهو ما أكد عليه البروفسور وامبري عندما قال: إن وصف الإسلام بأنه عدو الحضارة، هو عمل الجاهلين الحمقى والمتعصبين.. إن فكرة الإسلام عدو الحضارة لا تستحق حتى الرد الجدّي عليها؛ مما يجعل من التعامل مع تقدم الغرب يشوبه الحذر، إذ نأخذ ما يتناسب مع طبيعتنا وحضاراتنا العريقة، تلك الحضارة التي تحدث عنها الدوزي، فقال: تاه الناس في دياجير الجهل، بينما سطع النور من جانب الأمة الإسلامية من علوم وفلسفة وآداب وصناعة.. وبالتالي فإن الأمة تعاني من تيبس وجمود فكري، وليس من تصحر حضاري.

أدرك السلطان عبد الحميد خطورة انفتاح العقلية الإسلامية على المؤثرات الغربية ومفاهيمها الجديدة، فتلك الشعارات البراقة ودعوات القومية والتحرر لا ترمي سوى لهدم النظام القائم، فخطر الأفكار التغريبية يرجع لاختلاف البنية الاجتماعية للدولة العلية عن نظيرتها الأوروبية، وأردف قائلًا: إن الأفكار المستوردة من أوروبا تشكل خطرًا كبيرًا علينا، وكارثة أليمة، وأرى من حولي المسلمين فطريين سعداء، فلا أملك إلا أن أقاوم الأفكار الأوروبية بكل ما أوتيت من قوة، إنها سموم تخرب العقول والقلوب.

وقد شبه السلطان عبد الحميد الدولة العلية بالشاب ضعيف البُنية لا تتحمل بُنيته الحركات (التغيرات) السريعة؛ مما يجعل من التحركات السريعة للتجديد أداة هدم واضمحلال، وإلا فلماذا تستمر الدول الكبري بالمطالبة بسرعة الإصلاح مُبدية أسفها لما آلت له الإمبراطورية العثمانية؟ إن التطور الحقيقي لا يكون تحت تأثير وضغوط خارجية، إذ ينبغي أن يأتي من الداخل كي تجني ثماره.

فهل يُستدل من تلك الرؤية عدم انفتاح السلطان عبد الحميد على الغرب؟ على العكس تمامًا وجه عبد الحميد الثاني استفادته وفق ما يخدم الدولة العلية في كافة الميادين، فعلي سبيل المثال لا الحصر: تأسيس كلية للعلوم والآداب إلى جانب إنشاء مكتب الحقوق عام 1880، والذي تحول لكلية الحقوق (مكتب حقوق شاهانه)، وتأسيس أكاديمية الفنون الجميلة (مكتب شاهانه، صنايع نفيس)، كما يُعد السلطان حميد هو مؤسس التعليم الابتدائي والمتوسط على النسق الغربي، إلى جانب افتتاحه لعدد من المؤسسات الثقافية، مثل المتحف العسكري ومكتبة بايزيد إلى جانب مكتبة يلدز، كما تم تأسيس البلديات وبناء الغواصات، إنشاء خطوط البرق وإدارة البريد، مد خطوط السكك الحديدية، حيث كان سكك حديد الحجاز، وكذلك الأناضول خير مثال لذلك، إدخال التلغراف والتراموايات، إلى جانب البعثات العلمية للدول الأوروبية التي شكلت حجر الأساس في تغيير العقلية العثمانية، خاصة فيما يتعلق بالبعثات العسكرية، وهنا تجدر الإشارة إلي إدراك هرتزل لعواقب انفتاح عقلية الطلاب المُبتعثين علي الحضارة الغربية، مما دفعه لعرض إنشاء جامعة عبرية في القدس عام 1902م بدعوى الحد من تأثر الطلبة العثمانيين في أوروبا بأفكار الثورة، ونظم الحكم المتطورة، نظير توطين اليهود في فلسطين؛ مما يؤكد أحقية الحذر والتخوف الذي انتاب السلطان عبد الحميد تجاه دعاوى التمدن والعصرنة، يُذكر أن السلطان دائمًا ما أبدى أسفه حيال المثقفين والأدباء الذين لم يفهموه، ربما يتحمل السلطان عبد الحميد بعض المسئولية في ذلك، فانعزاله أتاح المجال لعدم إدراك شخصيته الحقيقية؛ مما أتاح السبيل لخلق وادعاء الأباطيل عن أحد أهم وأبرز سلاطين الدولة العلية، إذ كان هدفه الرئيس هو الدولة العلية وإنقاذها وليس شخصه.

مكتبة يلدز السلطانية

صورة ذات صلة

مكتبة بايزيد

الغواصة (عبد الحميد) أول غواصة في العالم تطلق طُوربيد من تحت سطح الماء

إن التأثر بالحضارة الغربية والانفتاح عليها لم يكن وليد المرحلة، إذ شكل عصر السلطان عبد الحميد نتاج تطور هذا التأثر والرغبة في محاكاته داخل الدولة العلية، وعلى كافة الأصعدة؛ إذ كانت البداية تعود إلى القرن السادس عشر الميلادي حيث كانت محاولة من أحد الكتاب تسليط الضوء على حالة الانهيار المالي التي دبت بالدولة، جسده رسالة حملت عنوان «دستور العمل في إصلاح الخلل» لمصطفى عبدالله المعروف بحاجي خليفة (1608- 1657م) حيث كانت محاولة مبكرة للمطالبة بالإصلاح، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن توجه الإصلاح انقسم إلى اتجاهين:

الأول مثله اتجاه المحافظين، أمثال الصدر الأعظم رشيد باشا (1800- 1858م) الذي تعهده بالرعاية رائد البيروقيراطية الراديكالية برتو Pertve باشا، وقد كان لرشيد باشا دوره في إعداد الجيل الأول من دعاة القومية، وقد انتسب للتوجه ذاته كل من الصدر الأعظم عالي باشا إلى جانب فؤاد باشا. أما الاتجاه الثاني هو اتجاه الانقلابيين؛ الذين هدفوا إلى قلب نظام الحكم وأحداث تغيير جذري، وهو ما تم في عام 1908م، وهو ما انتقده نامق كمال (1840-1888م) أحد أبرز مثقفي هذه المرحلة، حيث قال: وإذا الوطن احتقر ، فلا تظن أن ذلك يُقلل من شأنه.. فإن الجوهرة لا تفقد قيمتها لو تهاوت على الأرض، مضت محاولات الإصلاح وصولًا إلى «فترة التنظيمات العثمانية» التي بدأت منذ حكم السلطان محمود الثاني (1808-1839م)، إذ كانت حركة التنظيمات أبرز ما ميز تلك المرحلة حيث كانت تُعد اعترافًا رسميًا لحركة التغريب، وهي صياغة القوانين واللوائح علي النسق الغربي، بداية من خط شريف كلخانة الصادر في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 1839، أعقبها خط همايون (التنظيمات الخيرية) عام 1856، وصولًا إلى إصدار الدستور عام 1876، حيث عصر السلطان عبد الحميد، الذي تعهد بإعلان الدستور (القانون الأساسي) مع وصوله لدست الخلافة، يُجدر الإشارة إلى أن المستشار النمساوي مترنيخ Metternich حذر من عواقب استعارة أساليب الحضارة الأوروبية؛ لأنها تتعارض مع الحضارة الإسلامية العثمانية، كما طالب العثمانيين بالتمسك بطابعهم الإسلامي، على أن تكون أسس الإصلاح مقتبسة من الغرب، ولكن في إطار الشريعة الإسلامية؛ مما يُحقق نهضة الدولة، وليس اضمحلالها، حيث كان ذلك خلال تعقيبه على إصدار خط كلخانة.

تولى السلطان عبد الحميد الحكم في 31 أغسطس (آب) عام 1876، حيث أصدر أمره بتعيين مدحت باشا (أبو الدستور وأبو الأحرار) في منصب الصدر الأعظم، وكان من دعاة النهضة، حيث وصفه السلطان عبد الحميد بالوالي الجيد والسياسي الفاشل. فقد تم إعلان الدستور في 23 ديسمبر (كانون الأول) عام 1876، والذي عُرف بالمشروطية الأولى، الديمقراطية المتوجة، وقد كان مقُتبسًا عن دستور بلجيكا وفرنسا وإنجلترا إلي جانب الولايات المتحدة، حيث تكون من 119 مادة تمتع فيها السلطان بصلاحيات الحاكم الدستوري، لم ينفرد بالدستور الذي وصفه البعض بالدستور الحميدي، فهو نتاج عدد من المباحثات والمشاورات بين الجانبين وبين عدد من المُثقفين، حيث تم اختيار لائحة القانون الأساسي التي تقدم بها مدحت باشا من أصل 20 لائحة قد تم تقديمها للسلطان، وهي الائحة التي وصفها بدواء الأمة،كما تضمن الدستور تشكيل مجلس عمومي (برلمان) يتكون من هيئتين، إحداهما تسمى مجلس المبعوثان، وينتخب الشعب أعضاءه، والأخرى تسمى مجلس الأعيان، ويُعين أعضاءه من قبل الدولة، هذا وقد اُعلن الدستور من الأستانة، وانطلقت طلقات المدافع ابتهاجًا، وقد عقد البرلمان أولى جلساته في 19 مارس (أذار) عام 1877.

البرلمان العثماني 1877م

لقد كانت الدولة العلية تمر بمرحلة عصيبة، نتحدث عن دسائس الداخل خاصة عندما يتنكر دعاة الإصلاح والحرية والدستور لهذة المبادئ، ويتحولون لمستبدين هدفهم الرئيس هو الوصول لُسدة الحكم، وهنا نتحدث عن مدحت باشا الذي وصفه أحد أصدقائه المقربين ويُدعى (رامز مولى) بالمستبد حيث قال: … الباشا كان يريد الحرية لنفسه فقط، وخلاف هذا كان الباشا مستبد المستبدين، لم تستمر الأوضاع هادئة خاصة في ظل إفصاح مدحت باشا عن اعتزامه إعلان الجمهورية وتولي رئاستها، وذلك خلال إحدى مجالسه التي اعتاد على أن يبوح فيها بأسراره تحت تأثير الخمر، ولا يمكن إغفال ثورة البلغار والاضطرابات في ولايتي البوسنة والهرسك؛ مما هدد بدوره استمرار انعقاد البرلمان العثماني لجلساته، وهو ما تكشفه لنا إحدي النكبات الكبري في التاريخ العثماني إنها حرب 93 .

_________________________________________________________________________________

1)محمد فريد المحامي،تاريخ الدولة العليةالعثمانية،ت. إحسان حقي،(بيروت:دار النفائس،1981م).
2)مذكرات السلطان عبد الحميد،ت. محمد حرب،(دمشق:دار القلم،1991م)،ط 3.
3)عبد الحميد الثاني،السلطان عبد الحميد الثاني(1891- 1908م)مذكراتي السياسية،(بيروت:مؤسسة الرسالة،(د.ت.).
4)عائشة عثمان أوغلي،والدي السلطان عبد الحميد الثاني،ت. صالح سعداوي،(عمان:دار البشير،1999م).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد