لم يحتفل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في عيد مولده ولا أصحابه الذين هم أحب منا لرسول الله، ولم يدعوا خيرًا إلا وسبقونا إليه، كما لم يفعل ذلك التابعون فلن تجد رأيًا واضحًا حول الاحتفال من قبل الأئمة الأربعة أو العلماء في ذلك الزمان، وهذه القرون التي ذكرها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- هي الثلاثة القرون الأفضل في تاريخ الإسلام كله.

روى البخاري (2652)، ومسلم (2533) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ».

تاريخ الاحتفال:

بحسب الأستاذ حسن السندوبي فإنّ الفاطميين هم أوّل من احتفلوا بذكرى المولد النبوي الشريف، وقد أقر المستعلي بالله ما عرف بالموالد الأربعة، وهي المولد النبوي، ومولد الإمام علي، ومولد السيدة فاطمة الزهراء، ومولد الإمام الفاطمي الحاضر (1) بعد نشأة مظاهر الاحتفال التي أقرت في عهد المستعلي بالله بدأ النزاع بين علماء الأمة وانقسموا على عدة فرق بين مؤيد كليًّا، ومؤيد بشروط، ومعترضٍ، وفي كل عام يتجدد النقاش عند قرب الموعد، وأثناءه، وبعده لأيام.

علماء مؤيدون:

1- السيوطي: «عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي، وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك». (2)

2- محمد متولي الشعراوي، إذ قال: «وإكرامًا لهذا المولد الكريم فإنه يحق لنا أن نظهر معالم الفرح والابتهاج بهذه الذكرى الحبيبة لقلوبنا كل عام، وذلك بالاحتفال بها من وقتها»(3).

3- محمد راتب النابلسي، إذ قال: «الاحتفال بعيد المولد ليس عبادة، ولكنه يندرج تحت الدعوة إلى الله، ولك أن تحتفل بذكرى المولد على مدى العام في ربيع الأول وفي أي شهر آخر، في المساجد وفي البيوت»(4).

علماء معارضون:

1- ابن تيمية: اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول، التي يقال إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن من شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها… فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه ولو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف -رضي الله عنهم- أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص.(5)

2- عبد العزيز بن باز، إذ قال: «الاحتفال بالمولد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، بدعة لا تجوز في أصح قولي العلماء؛ لأن النبي لم يفعله، وهكذا خلفاؤه الراشدون، وصحابته جميعًا -رضي الله عنهم- وهكذا العلماء وولاة الأمور في القرون الثلاثة المفضلة.(6)

بالنظر إلى آراء العلماء نرى أن الجهتين يقصدان الخير، فالمؤيد يعتقد أن هذا الأمر خير، وهي بدعة حسنة، حتى لو لم يأمر بها الرسول، في حين أن الفئة الأخرى ترى أنه لو كان فيه خير لفعل ذلك من هم خير منا ويحبون رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أكثر من حبنا له، ومن حرصهم أن لا يقعوا في الشبهات ومخالفة أمر الرسول في إتباع سنته.

تميل النفس إلى الأخذ برأي العلماء المعارضين للاحتفال بالمولد النبوي؛ لأنه لو كان خيرًا لفعله رسول الله، أو الصحابة، أو التابعين، أو كان أمر بفعله رسول الله، وهل من حب رسول الله وخير خلق الله، إبداء الفرحة في يوم واحد فقط؟ ألسنا نفرح في مولد رسول الله في كل يوم وكل ساعة، ولا نحصر حبنا له في يوم أو وقت محدد، وطالما أن  تركه لا يضر فأنا لن أحتفل عملاً بالحديث الشريف، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: إن الحلال بيِّن، وإنَّ الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ مِنَ الناس، فمَنِ اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه…» وطالما أن تركه لا يضر وفعله غير معلوم الأجر، فمن قال: أنه يحتفل حبًًّا وطمعًا بأجر رسول الله، فليس هكذا فعل هو الذي نفعله لتعظيم رسول الله وتبيان حبنا له، فمن أحب رسول الله لا يبدع، ويبقى على ما أمره به رسول الله، ومن أراد فعل الخير حبًّا برسول الله، فل يفعله في كل يوم، وليس يوم في السنة! وليتبع رسول الله ويجتنب ما نهى عنه.

عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله – صلّى الله عليه وسلم- يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم».(7)

وبعد هذا كله، ربما لا يعلم الكثير أن تاريخ مولد الرسول هو محل خلاف، وفيه نظر ومع أنهم ذكروا الراجح من جميع الأقول إلا أنه فيه خلاف على عكس موعد وفاته، الذي فيه إجماع من كافة العلماء، قال الدكتور محمد الطيب النجار – رحمه الله-:

ولعل السر في هذا الخلاف أنه حينما ولد لم يكن أحد يتوقع له مثل هذا الخطر، ومن أجل ذلك لم تتسلط عليه الأضواء منذ فجر حياته، فلما أذِن الله أن يبلغ الرسول – صلى الله عليه وسلم- دعوته بعد أربعين سنة من ميلاده: أخذ الناس يسترجعون الذكريات التي علقت بأذهانهم حول هذا النبي، ويتساءلون عن كل شاردة وواردة من تاريخه، وساعدهم على ذلك ما كان يرويه الرسول -صلى الله عليه- وسلم نفسه عن الأحداث التي مرت به أو مر هو بها منذ نشأته الأولى، وكذلك ما كان يرويه أصحابه والمتصلون به عن هذه الأحداث.

وبدأ المسلمون – حينئذٍ- يستوعبون كل ما يسمعون من تاريخ نبيهم صلى الله عليه وسلم لينقلوه إلى الناس على توالي العصور.(8)

لماذا لا نعتبر الاحتفال بالمولد ضمن الأمور المباحة؟

الأصل في كل أمر الحلال ما لم يرد التحريم، وأمور الدنيا هي متروكة للناس ليضربوا بالأرض ويعمل كل في مجاله وخبرته وعمله، في حين أن أمور الدين لها مراجع ومصادر نأخذ منها أفعالنا وأحكامنا كالقرآن الكريم المصدر الأول في الإسلام, والسنة النبوية المصدر الثاني، وليس فيهما دليل ولا ذكر للإحتفال، وقد بلغ الرسول الأمانة ولم يترك أمراً من أمور الدين إلا وأخبرنا به، والاحتفال بالمولد هو احتفال ديني وليس دنيويًّا، ولا يتوهم إنسان أن الخلفاء عملوا ما لم يأمر به الرسول ويأخذه دليلًا على وجود بدع في الدين، فقد عد عملهم من السنة التي يجب إتباعها وعدم الزيادة عليها.

عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [رقم:4607]، وَاَلتِّرْمِذِيُّ [رقم: 266] وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

المصادر:

1- تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي من عصر الإسلام الأول إلى عصر فاروق الأول، حسن السندوبي، صفحة (62-73)

2- حسن المقصد في عمل المولد، تأليف: جلال الدين السيوطي صفحة 4.

3- على مائدة الفكر الإسلامي، تأليف: محمد متولي الشعراوي، صفحة 295

4- موقع النابلسي: الدرس (94-95) الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف: هل هو بدعة أم ماذا؟

5- اقتضاء الصراط المستقيم: ابن تيمية صفحة 295

6- موقع الشيخ الإمام ابن باز- الإمام ابن تيمية لم يستحسن الاحتفال بالمولد النبوي.

7- رواه البخاري:7288، ومسلم:1337.

8- الدكتور محمد طيب النجار: القول المبين في سيرة سيد المرسلين (ص 78).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد