عندما سألوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- لماذا تصوم يوم الاثنين، أجاب أن ذلك يوم ولدت فيه، ذلك اليوم الذي ولد فيه النبي، لن يكون اليوم الذي حطم فيه الأصنام التي تعبد من دون الله، لن يكون ذلك اليوم الذي حول فيه الناس من الجاهلية إلى الإسلام دين التفكر، لن يكون ذلك اليوم الذي ساوى فيه بين الناس من العرب والعجم، إذ لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، بعد أن كان الناس مستعبدين لأسيادهم الذين خلقوا من طين، وهم من جنس البشر، لن يكون ذلك اليوم يوم تحطيم عروش الظالمين ونزع قداستهم من قلوب الناس، إذ السيد هو الله كما قال الرسول، كل هذه الأمور التي غيرت مجرى التاريخ، وأخرجت الناس من الظلمات إلى النور، لن تكون في ذلك اليوم الذي ولد فيه -صلى الله عليه وسلم- فقط، إنما كانت عبر الأيام الصعبة التي عاصرها الرسول يومًا بيوم وليلة بليلة، لذلك كان من الإجحاف تذكره في يوم واحد ولد فيه.

إن مثل هذا العيد كمثل عيد الأم، الذي ابتكره الأمريكيون أولًا؛ إذ كانوا يهملون أمهاتهم ولا يرونهن لفترة طويلة، وليس هناك أعراف تلزمهم بتقدير أمهم وبرها بشتى الأنواع، فكان أن ابتكروا هذا العيد تعويضًا لأمهاتهم عن إهمالهن طوال الأيام والأشهر الماضية، وقد نقلت لنا هذه المناسبة عن طريق الصحافي المصري علي أمين مؤسس صحيفة أخبار اليوم، وبرأيي هي تقليد أعمى، إذ أعرافنا تختلف عن أعرافهم؛ ففي بلداننا يكاد لا يمر اليوم والأسبوع دون يرى الولد أمه، إلا إذا كان هناك طارئ ما؛ فالأم لدينا هي الفرحة والعيد الحاضر دومًا، وإن أحدنا ليخجل من أن تقتصر هذه الفرحة على يوم واحد، وكذلك القياس على المولد النبوي، إذ تجد بعضهم ربما لا يذكره إلا ذلك اليوم، وربما أكون أنا أحد هؤلاء الأشخاص؛ لذلك وجب أن تكون سيرة الرسول الأخلاقية منهج حياة لنا بكل ثانية، ولا أن نختصرها بساعات محددة.

كل ما مرت هذه المناسبة، وهي المولد النبوي، أتذكر موقفًا قديمًا، حيث أنني رأيت أحدهم بينما يقوم بتزيين بيته تعبيرًا عن فرحه بقدوم المولد النبوي، ويساعده أولاده من حوله، وهو يصيح بهم، وما أن يخطئ أحدهم حتى يغضب ويعنفه، متناسيًا أن الرجل الذي سيقوم اليوم بالاحتفال بمولده كان هين المقولة، لين الخلقة، وبهذه الحال قدم الرجل الاحتفال وهو لا يصنف ضمن العبادات على العبادة الحقيقة، ألا وهي الالتزام بأخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم-.

لو كان حبك صادقًا لأطعته ** إن المحب لمن يحب مطيع

عندما يكون هناك حب حقيقي، يرغب المحب بإسعاد حبيبه باتباع ما يريده الأخير، لذلك ما دام أن هناك يومًا مخصصًا للمولد النبوي، فلا ينبغي ترك فرصة اجتماع المسلمين ذلك اليوم على قراءة ورد مثلًا، أو القيام بالرقص على الدف وكأنما يرقصون على أوجاعهم في هذا الوقت المرير الذي نمر به نحن المسلمون، إنما الواجب أن يقيموا المنهج الحق الذي أتى به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وطرح الوصية الأهم للرسول في خضم هذه الأحداث، ألا وهي أن أموالكم ودماءكم وأعراضكم بينكم حرام، بعضكم على بعض، وكم هذه الوصية مهمة بهذا الوقت، إذ بأسنا بيننا شديد، وقلوبنا شتى، رغم أننا عينان في رأس واحد.

وأما الواجب على الناشطين والصحفيين والإعلاميين، تكثيف جهدهم لإظهار الوجه الحق للإسلام بلا إسفاف أو إسراف، بعد أن شوه من يدعون أنهم أبناؤه صورة المسلمين أمام العالم، وأمام بعض المسلمين الذين لن يعودوا يثقون في دينهم بعد كل الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة، والتي جعلت الحليم منا حيرانًا ليقوم الناشط بنشر ما قاله الغربيون عنا، إذ تكون المصداقية أكبر، وهناك العديد من الكتاب ممن أنصفوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورسالته الخالدة التي بعث بها رحمة للعالمين على مر العصور، إذ يقول الكاتب البريطاني ميلر إن بعض الديانات تهتم بالجوانب الروحية من حياة البشر، وليس لديها في تعاليمها أي اهتمام بالأمور السياسية والقانونية والاجتماعية، ولكن محمدًا ببعثته وأمانته الإلهية كان نبيًا وكان رجل دولة ومقننًا؛ أي واضع القوانين، وقد اشتملت شريعته على أحكام وقوانين مدنية وسياسية واجتماعية، وقد قال الكاتب والباحث الغربي ريتين منذ بزوغ بعثة محمد – صلى الله عليه وسلم- وسطوع شمس الإسلام، أثبت هذا النبي أن دعوته موجهة للعالمين، وأن هذا الدين المقدس يناسب كل عصر وكل عنصر وكل قومية، وأن أبناء البشر في كل مكان، وفي ظل أي حضارة لا غنى لهم عن هذا الدين، الذي تنسجم تعاليمه مع الفكر الإنساني، وفيما قال جان الكاتب السويسري المعاصر: لو أمعنا النظر في أسلوب حياة محمد -صلى الله عليه وسلم- وأخلاقه، على الرغم من مرور 14 قرنًا على بعثته، لتمكنا من فهم كنه العلاقة التي تشد ملايين الناس في العالم لهذا الرجل العظيم، والتي جعلتهم وتجعلهم يضحون من أجله ومن أجل مبادئه الإسلامية السامية بالغالي والرخيص، وأنهي أقوال الغربيين عن الرسول بقول الكاتب الفرنسي كورسيه: عندما نهض محمد بدعوته، وقبل انطلاق بعثته وبعدها، كان شابًا شجاعًا شهمًا يحمل أفكارًا تسمو على ما كان سائدًا من أفكار في مجتمعه، وقد تمكن محمد -صلى الله عيه وسلم- بسمو أخلاقه من هداية عرب الجاهلية المتعصبين، الذين كانوا يعبدون الأصنام إلى عبادة الله الواحد الأحد، وفي ظل حكومته الديمقراطية الموحدة تمكن من القضاء على كل أشكال الفوضى والاختلاف والاقتتال، التي كانت شائعة في جزيرة العرب، وأرسى بدلًا من ذلك أسس الأخلاق الحميدة، محولًا المجتمع العربي الجاهلي المتوحش إلى مجتمع راق ومتحضر.

هذه الأقوال التي قيلت بحق رسالة الإسلام كفيلة بتغيير وجهة نظر العديد من البشر المنصفين، والذين لديهم نظرة مسبقة وخاطئة عن الإسلام.

وآخر ما أنهي كلامي به آية سمعت تفسيرها من الدكتور محمد راتب النابلسي، والآية «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»، وكان التفسير كالآتي: الشق الأول من الآية قال العلماء: إذا فهمنا الآية والنبي -عليه الصلاة والسلام- بين ظهرانيهم نفهمها بشكل أو بآخر، ولكن كيف نفهمها إذا انتقل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الدار الآخرة، أجمع العلماء على أنه ما دامت سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- مطبقة في حياتهم في بيوتهم، في أعمالهم، في حلهم في ترحالهم، في أفراحهم في أتراحهم، في كسب أموالهم، في إنفاق أموالهم، في اختيار زوجاتهم، في تطليق زوجاتهم، في تربية أولادهم؛ فهم في بحبوحة من عذاب الله وبشكل أو بآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد