يأسر الملك أربعين من خيرة رجال القبيلة، يحرق بيوتهم وقلوب زوجاتهم وأطفالهم عليهم مدعيًا أن الزوجات ستنسى ويتزوجن بآخرين، والأطفال غير معلومي النسب في الحقيقة!

يأسر أربعين من الشباب لأنهم في نظره من الطبقة الأفقر التي لن تقف في طريقه وأن عوائلهم أضعف من التجمع أمام جنوده، ويسوقهم بالسلاسل ليبدأوا مرحلة أخرى من حياتهم، إذ يستبدلهم بأربعة بنادق من تاجر العبيد، وتبدأ رحلتهم في العبودية حتى تنتهي بموتهم جميعا في النهاية تحت نير العبودية، وكل ذلك بسبب ملك أراد توسيع ملكه وتاجر حاذق.

ما الفرق بين ما فعله الملك والتاجر هنا، وبين مايفعله حكامنا الأوفياء مع شروط صندوق النقد الدولي؟، تعددت الأشكال والشروط والعبودية واحدة.

كما أمر تاجر العبيد بأن الصفقة لن تتم إلا فوق أربعين من الرجال من أفضل الرجال، يشترط صندوق النقد الدولي، إنهاء حياة طبقة كاملة ربما تكون هي الطبقة الحقيقية المؤثرة في أي أمة.

رفع الدعم عن السلع الأساسية: كهرباء، ومحروقات، وسكر، وزيت، وبالتالي ارتفاع باقي الأسعار في هدم بغيض لطبقة كاملة من المجتمع ستضطر إلى المعيشة تحت خط الفقر وتحويل الجميع إلى عبيد للعمل من أجل لقمة العيش فقط ليلا ونهارا.

ما هو الفرق بين أي جلاب للعبيد وبين صندوق النقد الدولي بشروطه المجحفة، وما الفرق بين الملك السوداني في رواية «الكتيبة السوداء» حين اغتصب حق أربعين رجلًا من قبيلته في الحرية وأرداهم عبيدًا طوال أعمارهم مقابل أربعة بنادق بذخيرتهم؟ ما الفرق بينه وبين أي حاكم أو رئيس يشتري القرض بأرواح شعبه ليزيد من فرصته في البقاء رئيسًا لفترة أطول، أو لإثبات نجاح وهمي ستتحمل وزره الأجيال القادمة؟!

المنسي قنديل يرسم في رواية الكتيبة السوداء -كما اعتاد في معظم رواياته- التاريخ بخطوات أدبية ساحرة كأروع ما يكون، يجعل من الخطوط التي يبدعها زمنًا آخر مواز للزمن الذي نعيشه بأحلامه وأفكاره وغرائبه ومآزقه ومأزق أبطاله، وتحول حالاتهم ارتفاعًا وصعودًا، وكيف يلعب الزمان بطموحاتهم وكسر رقابهم بعد ظنهم أن التحليق قد آن أوانه.

يستمسك المنسي بقطعة تاريخية أيام حكم أبناء محمد علي المتوازية مع الحرب الأهلية الأمريكية، وسيطرة فرنسا على المكسيك، وابتعاث كتيبة مصرية للحرب إلى جانب أبناء فرنسا!

منطقة زمنية استطاع المنسي الدخول فيها، وكأنه سافر زمنيًا ليرى الأحداث والمشاعر، ومن ثم استطاع صياغتها والعمل على إخراجها إلى النور لتكتمل الحياة بعد الاطلاع عليها.

في الحقيقة لا أجد أفضل من تلك الطريقة لتدريس التاريخ لطلاب مدارسنا، لا يجب أن يتعلم أولادنا التاريخ باعتباره نقاطًا وأسبابًا بتلك الطريقة الجامدة التي تعتمد على الحفظ والصم فقط بلا إعمال للعقل، فالتاريخ هو فن فهم الحاضر وإدراكه عن طريق التوغل في الماضي وأحداثه، فإذا حولنا التاريخ إلى مجرد أسباب ونتائج دون شرح كيف حدث الموقف التاريخي وأظهرنا مشاعر أبطاله ومحركيه وأهدافهم وهل تحققت أم لا، فلا أعرف غرضًا حقيقيًا لدراسته حيئذٍ!

ويبدو أن المنسي قنديل مولع بتخشب أعضاء ومشاعر مرضاه كما فعل في رواية «أنا عشقت» التي كان الحدث الرئيسي فيها هو تخشب بطلة الرواية ما بين الموت والحياة على رصيف محطة القطار، لتدور أحداث الرواية بتفاصيلها، وهو يقارب ما حدث للجندي السوداني الذي عاقبه رئيسه بالوقوف ثلاثة أيام، ووصف قنديل حالته ومشاعره وكأنه كان يضع ورد بطلة الرواية الأخرى أمامه ويسألها كيف كانت مشاعرها ليخُطها بقلمه.

الرواية تستحق الدراسة باعتبارها تأريخًا لتلك الحقبة وتأريخًا لما يفعله الملوك والحكام والرؤساء دوما بكتيبتنا السوداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كتيبتنا
عرض التعليقات
تحميل المزيد