ي حوادث الطائرات دائماً ما يلجأ قائموا التحقيقات لما يسمى بتقنية الصندوق الأسود، الذي يقوم بتسجيل اللحظات الأخيرة من عمر الطائرة، وتفاصيل تلك اللحظات والحديث الذي كان يدور بين أفراد طاقمها قبل حدوث الانفجار، أو الغرق في قاع البحر، أو ضياع معالم تلك الطائرات وفقدانها.

وتلك التقنية أتاحت فك لغز حوادث كثيرة كنا سنقف عاجزين عن أيجاد حلول لأسبابها وماهيتها ورصد تفاصيلها.

وتلك طفرة كبيرة في تقنيات الطائرات والسفن وغيرهما .

وعندما نقارن ذلك بما يحويه الصندوق الأسود لنا نحن بنو الإنسان وهذا الكم الرهيب من الأفكار التي لا تُحكى على مدار عمر الإنسان الطويل والتي تصبح حبيسة جدران العقل الباطن الذي يخرجها على صورة رؤى وأحلام، لكنها تظل ناقصة وغير مكتملة التكوين كالجنين المشوّه؛ لأنها لا تشبع رغبات الإنسان ولا ترضي حرمانه طالما لم تخرج للعلن ولم ترى النور.

والفارق بين الصنوق الأسود للطائرة والصندوق الأسود للإنسان؛ أن الأول بإمكانه البوح بكل مكنوناته وبتفاصيل أدق.

أما الثاني فإذا ما أتيح له البوح والاسترسال فى تلكم الخفايا فإنه إما أن يكون مقيداً بما نسميه في مجتماعتنا بالعيب أو الحرام، وإما أن يحاصره هاجس الخوف مما تلوكه الألسنة أو تكشفه المجالس .

ومما لا شك فيه أن أصعب تلك الأسرار وأكثرها مَرارة ولوعة ما يكابده العاشق والصراعات النفسية الخفية التى تدور بداخله وتغلي في صدره كالمرجل لكنه لا يستطيع الفكاك من سطوتها وإطفاء جذوتها وكبح جماحٍ لهيبها الذي يتأجج.

وما بين رغبة التواصل مع الحبيب وبين الكتمان يظل العاشق ممزق أشد ما يكون التمزيق.

والمفارقة بالتأكيد صعبة ووقعها على القلوب أليم شديد وشعرنا العربي ماراثون واسع وكبير وحافل بتلك الصور حول لوعة الكتمان وأثر ذلك على العاشق وما تحيكه الصدور وما تخبأه.

فها هو أبو الفضل ابن الأحنف يرصد لصندوقه وصندوق محبوبته وهما يتهامسان قائلآ:-

كتمت ومن أهوى هوانا فلم نبح

وقد كانت الأسرار باللمح تظهر فنحن كلانا مقصد في فؤاده

من الشوق نار حرها يتسعر

فلا أنا أبدي ما أحن ولا الذي

به مثل ما بي للمخافة يذكر

فيا عجباً مني ومنها وصبرنا

على ما نلاقى كيف نصبو ونصبر

بل إن شاعر العربية محمود سامي البارودي يرصد لصورة أبعد من ذلك وأعمق وأشد دلالة حينما يلوح لنا بأن صندوق أسراره عصى حتى على ما يكتبه الملكان الموكلان بتسجيل كل شاردة وواردة على الإنسان متسائلاً كيف سيسجلان على مالم يبح به لساني فيقول :-

كتمت هواك حتى ليس يدري

لسانى ما تضمنه جناني

ولي بين الجوانح منك سر

خفى لا يعيه الكاتبان

وكيف يخطّه الملكان عني

ولم ينطق بغامضة لساني

وها هو شاعر ثالث يكنى بإبن الخطير كما تقول الروايات يودع صندوقه بيتاً محكم الإغلاق ويحتفظ لنفسه بالمفتاح بل ويدّعي ضياع هذا المفتاح قائلاً:

لا يكتم السر إلا كل ذي خطر

فالسر عند كرام الناس مكتوم

والسر عندي فى بيت له غلق

قد ضاع مفتاحه والباب مردوم

وقَيس ابن الملوح جادت لنا قريحته أيضاً بما يحويه صندوقه قائلاً:

إني كتمت حديث ليلي لم أبح يوماً بظاهره ولا بخفيه

وحفظت عهد ودادها متمسكاً

في حبها برشاده أو غيه

ولها سرائر فى الضمير طويتها

نسي الضمير بأنها في طيه

وتلك صناديق أمكن للأدب أن يفتح أغلاقها وأن يبوح بأسرارها ويقص علينا حديثها ولولاه ما بان لنا منها شيء.

وتلك عظمة الأدب وسموّه

وكم من صناديق ضاعت وضاع ما بها بموت أصحابها ولم نعرف عنها شيء.

فيامن تملكون صناديق أودعتموها بنك أسراركم نشاطركم أحاسيساً كتمتموها ومشاعر دفنتموها

وتلك هي أسرار الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد