المتصفح لتاريخ الجزائر يمر بالعديد من الحلقات الحضارية فمنها المضيئة ومنها المظلمة، صفحات التاريخ هي مجموعة قطع تشكل فسيفساء جزائر اليوم، كل قطعة منها تحكي حقبة زمنية، وكل قطعة مليئة بالأحداث وحافلة بالأخبار وقصص الحضارات المتعاقبة.

جزائرنا مر بها يوم لها يمجده الحاضر إلى آخر يوم في الحياة، ويوم عليها يلعنه الجميع ما دامت قلوب تنبض في هذا الوطن.

برأيي لا غبار على أنها أسوء فترة في تاريخ الدولة الجزائرية منذ نوميديا الأمازيغية مرورًا بدويلات الإسلام وصولًا للدولة العثمانية هي فترة الاحتلال الفرنسي، لكن ما ميز هذه الفترة المظلمة كانت «ثورة التحرير الوطني» التي حملت كل ما تعنيه كلمة ثورة من معان، حيث تميزت ببعدها الفكري والسياسي، العسكري وتصور ورغبة في بناء دولة حقيقية بعد طرد المستعمر.

كللت تضحيات الرجال بالاستقلال في يوليو (جويلية) 1962 وبعد المضاعفات المرضية للثورة التحريرية كباقي الثورات العالمية استقر رجال المرحلة وباشروا بناء الدولة التي ضحوا من أجلها في الأمس القريب.

عرفت أولى سنوات الاستقلال اي قبل الأزمة الاقتصادية التي عاشتها البلاد في 1988 بالعصر الذهبي للجزائر الحديثة والتي شهدت تأميم البترول، بناء الجيش، توضيح هياكل كبرى مؤسسات الدولة، دخول عالم الصناعة والتجارة العالمية ما مكن من بناء اقتصاد إقليمي قوي وبالمناسبة بعض تركته إن لم نقل كلها هي عصب اقتصاد الجزائر الحديثة.

منعطف النهضة الحضارية بجوانبها الاجتماعية والاقتصادية في الجزائر كان نهاية الثمانينيات من القرن الماضي مع أزمة اقتصادية واجتماعية حادة شهدتها البلاد آنذاك، تلتها أزمة سياسية والتي فجرت الوضع في الجزائر بداية التسعينات بعد ما يسمى بانقلاب الجيش على حزب جبهة الإنقاذ الإسلامي المكتسح للانتخابات المحلية والبرلمانية، وهذا لسان حال منتسبي الحزب، أو كما تقر الجهات الحكومية في البلاد بعدم التحكم في جماعات إسلامية فكرية بخلفية مسلحة والتي تحاول أفغنة البلاد.

كانت العشرية السوداء كما أطلق عليها الجزائريون كبرى انتكاسات الجزائر الحديثة، حوالي عقد من الزمن راح ضحيته أزيد من ربع مليون جزائري، عمت الفوضى أرجاء الوطن فالجميع يموت والكل لا يعلم من يقتل من.

دماء الأبرياء، كانت فاتورة المرحلة التي تجاوزتها البلاد وتجاوزت المجازر، لكن آثارها ما زالت في كل شوارع الوطن ما زالت منقوشة في ذاكرة كهول وشيوخ البلد، حتى ملفات المفقودين وضحايا العشرية ما زالت مفتوحة والكثير من الجروح إلى اليوم لم تلتئم.

المشهد السياسي في البلد ما زال يعاني بعد تلوثه جرثوميا في تلك المرحلة، فما مورس باسم الدين والسياسة خلق صورة نمطية نقلها من عايشوا الحقبة إلى شباب اليوم مفادها «احذروا خبث المتدين وفسق وفساد السياسيين» في هذا الوطن والأفضل أن تبتعد عن الدين والسياسة، وفي هذه الجزئية أعبر عن موقفي بكل حرية وهو «حاشا الإسلام مما كان ومما سيكون من ممارسات بشرية».

اقتصاديًا دخلت البلاد في أزمة سبقت الحرب الأهلية الجزائرية مهدت لها اجتماعيا والعديد من الأزمات أثناء العشرية وبعدها، فأرشيف ديون البلاد خير شاهد والذي أثقل كاهل الوطن لسنوات طويلة حتى بعد انتهاء الأزمة.

أما أقوى الضربات وأعنف الهزات فكانت من نصيب النسيج الاجتماعي والتفكير الجماعي للجزائريين، حيث وجهت ضربات قوية للإسلام والمتدينين، ونفس المصير لحق بالجامعة والميدان التربوي والثقافي فكان نتاجًا عن العشرية عشرية للجهل ونقص في الإطارات وأبناء عقد كامل من الأميين والمتنكرين للدين معتنقين للجهل متعبدين بالخوف.

ما حدث في التسعينات عطل مسار النهضة لأزيد من 30 سنة في دولة فتية كل عمرها 60 سنة، ما مر عليها قتل الإبداع وجعل الخوف ثقافة وعادة وما زلنا نعيش بخلفية العشرية السوداء إلى يومنا هذا، فنشتم رائحتها في أخبار المساء ونتذوقها في خطابات الرئيس وعنواين الصحف.

لكثير من السنوات تعايش الجزائريون مع فساد منظومة الرئيس السابق البين فسادها والفاضح فشلها وتعايشوا مع كل الخيبات بسبب فزاعة العشرية التي تمنعهم من الخروج خوفًا على أوطانهم، فهل يكون الحراك الشعبي المبارك حراك 22 فيفري نهاية قصة الخوف وبداية ملحمة أمل ملحمة بناء دولة حقيقية.

رحم الله كل الجزائريين الذين راحوا ضحية لتلك المرحلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد