إنَّ المسير للهدف يتخلَلُه في بعض الأحيان عوائق ومنعطفات، وهذا من الأمر الطبيعي الذي يواجه كل طموح، أما أن يواجه نقطة تحول في ميسره، فيتلاشى الهدف الرئيسي، ليقبل بغيره، فهذا يكون من خفايا أيدٍ غريبة، صاحبة نوايا سيئة وخبيثة، تتلاعب بهذه الشخصية الطموحة.

بدأت الثورة السورية مسيرها السلمي بهدفٍ واحد ورئيسي (الشعب يريد إسقاط النظام) يعقبه أهدافٌ عديدة، لكن سرعان ما بدأت العقبات والمنعطفات تتوالى، فتبدأ بعقبات القمع من اعتقال وقتل المتظاهرين وانتشار العملاء والجواسيس للنظام، لكن ظل هذا الشعب صامدًا ومستمرًا نحو هدفه لم يثنه ذلك.

لكن ما لم يكن في الحسبان هو تحول المسير من السلم إلى حمل السلاح!

ويمكننا القول إن هذا الأمر كان حتميًا وتم فرضه على الشعب، لأن ما قوبل بالحديد لن يواجه إلا بالحديد، والشعب السوري لم يكن يملك سوى هذا الحل، فكانت هذه أولى نقاط التحول في مسار الثورة السورية.

ومما دعم هذا التحول هو التواطؤ الأممي تجاه جرائم النظام، والاكتفاء بالتنديد، لأن ما يوجد وراء هذا الستار أعظم، فهذه النقطة هي نقطة تحول مسار الثورة ونقطة بدء الصراع الدولي على  المنطقة، لتطبيق أهداف دولية مختلفة على حساب دماء الشعب السوري.

ثم يتلو هذا التحول منعطف كبير، هو دخول أصحاب اللثام، والغلو في دين الاسلام، (كأمثال تنظيم القاعدة وغيرهم) على مسار الثورة، ليكون هذا فيما بعد نقطة تحوّل تواجهها الثورة.

فطبيعة أهل الشام عامة هم أصحاب اعتدال في الفكر والدين، من كلا التيارين السلفي والصوفي، إلا ما ندر من أصحاب التشدد والتنطع في بعض القرى والمدن، فدخول هذه المجموعات المتطرفة على الثورة، كان تحت اسم الدخول لنصرة الحق وأهله، وقد لقيَ ترحيبًا كبيرًا من الحاضنة الشعبية، لما كان يلتمس منهم من الخير والشجاعة، لكن سرعان ما بدأ الظل يزول والحقائق تنكشف، فمما كان مخبأ وراء هذا الظل، أهداف ورؤى لطالما حلموا بتطبيقها، فوجدوا الفرصة قد سنحت لهم في أرض الشام، فبدؤوا ببسط النفوذ في مدن ومناطق عديدة، ثم قاموا بعمل يستنكره الجميع، فبدؤوا بأدلجة الثورة ونشر فكرهم (السلفية الجهادية)، وفرض رؤياهم وأحلامهم على الناس، وها هم اليوم يتدخلون في العمل السياسي للثورة ظانين أن الشعب السوري سيتقبلهم ويسلم لهم.

وهذا لا يعني أن ننكر فضلهم وجهودهم بالمشاركة في تحرير مناطق عديدة في سوريا، لكن عليهم أن يتذكروا ما جاؤوا إليه وما قالوا به أمام الناس: نصرة للحق وأهله لا غير.

ومثل ما يقول الأستاذ الفاضل حذيفة عكاش: (لا نعيب على الإخوة السلفية الجهادية شجاعة ولا ديانة ولكن نلومهم على التدخل في مستقبل سوريا السياسي ونلومهم على أدلجة الثورة).

نقطة التحول التي أصبحت الثورة تواجهها في هذا الأمر، إثارة الصراع بين هذه المجموعات وباقي الفصائل ومن ثمَّ ليمتد الصراع بين الفصائل نفسها، وأيضًا إنَّ النظام استطاع أن يثبت للعالم أجمع أنه يحارب الإرهاب، وكان ذلك متزامنًا مع التحول الأول في الثورة من السلمية إلى السلاح، ومما أكد هذا أيضًا، ظهور داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، فما أجملها من حجج تقدم على طبق من فضة لأمريكا وحلفائها، لتزيد القتل في الشعب السوري، وتحقيق ما تريد من زعزعة الشرق الأوسط والتدخل في شؤون البلاد العربية، وتوجيه ضربات للمعارضة السورية بين الحين والآخر، وعرقلة الحل السياسي  في سوريا، تحت هذه الحجة الخرقاء (محاربة الإرهاب).

النقطة الثالثة في تحول مسار الثورة، هي من أقوى وسائل إفساد الثورات، المال السياسي (الدعم والتسييس)!

اعتادت الثورة السورية في السنتين الأولَيين من اندلاعها، على الانتصارات المتوالية في معاركها ضد النظام البعثي، وتحرير المناطق والمدن والثكنات من أيديهم، حيث كان الدعم بسيطًا يتدفق من أفراد وشخصيات معينة، وفي السنة الثالثة بدأ الدعم من بعض الدول لبعض الفصائل المعينة، ومن ثم تطور الأمر ليصبح الدعم محصورًا في غرفة الموك الدولية، ليصير الأمر كتحريك الدمى على الأرض بالخيوط، خيوط الهزيمة والانكسار، خيوط التسييس والتفرقة بين الفصائل، خيوط عبادة المال وضياع الهدف، خيوط التخاذل في نصرة داريا وحلب وغيرها، وللأسف كانت فصائل درعا هي أول من خضع لهذا التسييس وغيرها من الفصائل في بعض المناطق المحررة.

وهذا ما أدى إلى تشتيت قوى الثورة السورية، ولتصبح الفصائل في الشمال تقاتل وحدها من دون نصيرٍ غير الله سبحانه، وتواجه الآلام والمعاناة وحدها، من دون أن يخفف عنها أحد من الفصائل المسيّسة.

ومثل ما يقول الزعيم الفيتنامي (هوشي منه): (إذا أردت أن تفسد ثورة فأغدق عليها المال).

النقطة الرابعة في تحول مسار الثورة السورية، هي ظهور الغراب الأسود على الساحة السورية والعراقية (تنظيم الدولة الإسلامية)!

حيث كان ظهور هذا التنظيم ضربة موجعة في خاصرة الثورة، فأصبحت الثورة تقاتل عدوًا من ورائها وعدوًا من أمامها، مما جعل القوى تتشتت ورقعة الجبهات تتوسع، وليس هذا وحسب بل جعل الرقعة السياسية للثورة تتَّسع وتزداد تعقيدًا، وجعل الثورة تحت أنياب التدخلات الدولية العسكرية والسياسية، فأصبحت كالفريسة المفترسة من عدة ضباع تتلاشى كقطع اللحم هنا وهناك.

وغير هذه الآثار، إن سيطرة تنظيم الدولة على رقعة جغرافية كبيرة من سوريا وإقامة إمارة عليها، قد غرز وعزَّز في عقول بعض قادة الفصائل المعارضة والمجموعات المتطرفة، فكرة تقاسم وبسط السيطرة وبناء السلطة في أماكن تواجدهم، وهذا الأمر تشهده بعض المناطق المحررة، كإدلب وغوطة دمشق الشرقية ودرعا، وكان هذا الأمر أيضًا في بالغ التأثير على الأحزاب الكردية، لإقامة دولتهم في الشمال السوري.

النقطة الخامسة في تحول مسار الثورة السورية، هي ظهور الثعلب الماكر في الشمال السوري، ليمكر بالثورة على الصعيد العسكري والسياسي، بعد أن كان حليفًا للنظام البعثي، (حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني pyb، وحزب العمال الكردستاني pkk).

لقد كان مكرهم الأول مسالمة النظام لفترة طويلة، ومن ثم التمرد على النظام والثورة، ليبدؤوا بتطبيق مشروعهم القديم، إقامة الدولة الكردية، على حساب الثورة السورية ودماء الشعب، هذا ما جعل الثورة في تصادم معهم عسكريًا وسياسيًا، حيث قاموا ببسط السيطرة على مواقع عديدة على الشريط الحدودي مع تركيا، وأبدوا تحالفهم مع الروس وإسرائيل علنًا، لدعم وتسهيل إقامة دولة كردية في شمال سوريا، وهذه من أجمل الأفكار التي ترحب بها أمريكا دومًا، ليكون نقطة بداية تطبيق مشروع تقسيم سوريا، التي تعمل عليه بالاتفاق مع الروس، كمحاولة لتجديد معاهدة سايكس وبيكو، باسم جديد كيري ولافروف.

النقطة السادسة هي آخر نقاط التحول في مسار الثورة وأهمها، فإن لكل ثورة رموزًا، أشخاصًا كانوا أو مدنًا، وللثورة السورية رمز كبير من رموزها، هذا الرمز أعطى دروسًا للعالم كله، لمعنى الصمود والصبر، أعطى دروسًا لمعنى التضحية من أجل الهدف، أعطى دروسًا لمعنى النصر والثبات، عن (مدينة داريا) أحدثكم.

فالجميع علم بانتصار مدينة داريا الأخير، وخروجهم منها بسلاحهم وعتادهم إلى الشمال السوري، بعد اتفاق أجري مع النظام المجرم، وكان لذلك أثر كبير على الثورة عسكريًا وسياسيًا.

صحيح أنَّ الثورة السورية فقدت رمزًا من رموزها، ومساحة صغيرة من جغرافيتها، لكن في المقابل كشفت أوراقًا عديدة، تختبئ نوايا خبيثة في ظلها، فزادت الرقعة السياسية مساحةً، وكشفت عن مخططات للنظام يقوم بتطبيقها، في ظل الصمت العالمي، وبدعم روسي وتغافل أمريكي، وهي البدء بتنفيذ علني لعملية التغيير الديموغرافي في مناطق دمشق وحمص والساحل، وفي ذلك مؤشر قوي لبدء تطبيق عملية التقسيم في سوريا تزامنًا مع دعم المشروع الكردي من روسيا وأمريكا.

هذه هي أهم نقاط التحول في مسار الثورة السورية، التي كان لأيدٍ غريبة وخارجية دور كبير ومُهم في صنعها، ويوجد أيضًا نقاط أخرى لا يتسع الشرح عنها حتى لا يطول الحديث بنا، فمن هذه النقاط (اغتيال أبرز قادة الفصائل الكبرى، التدخل العسكري التركي من الناحية الإيجابية، والتدخل الأمريكي من الناحية السلبية في  الشمال السوري، معركة حلب وتطوراتها… وغيرها).

لكن لو أردنا أن نبحث عن أسباب نشوء هذه التحولات وعن أسباب فشل الثورة في مواجهتها، لوجدناها كثيرة ومتعددة، لكن أهمها على الإطلاق هو (غياب وحدة الصف والقائد الواحد).

فغياب هذا القائد المنشود قد دعم صناعة هذه التحولات، ودعم مصالح البلاد المتلاعبة في ثورتنا، وسيودي بنا لما هو أعظم من ذلك، إن لم يتدارك الأمر.

هذا ما واجه الشعب الطموح بحريته، نقاطٌ سوداء محوِلةٌ لمسير ثورته، يضعها خطاطٌ ملعون، من حبر مسموم، والشعب بفطرته السليمة يتقبلها ويصبر، كمرضِ زكامٍ من دون عقاقير.

فهل يا ترانا نستيقظ من كبوتنا ونتدارك أمرنا؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة
عرض التعليقات
تحميل المزيد