مثل معظم الاكتشافات الكونية، يمثِّل موضوع الثقوب السوداء جدالًا كبيرًا وبحثًا عظيمًا بين صفوف العلماء، فمنذ القرن الثامن عشر، حين فسر جون ميشال و سيمون لبالاس الثقب الأسود على أنه جسم يمتلك حقلًا جاذبيًّا قويًّا، بحيث لا يمكن لشيء _ حتى الضوء _ الهروب منه، أو أنه نجم ذو كتلة كبيرة نصف قطرها صغير وسرعة الافلات منها أسرع شيء في الكون، وهذا الموضوع قيد البحث.

أخيرًا، وبعد مضي مائة سنة، استطاع العلماء تصور صورة قريبة من هذا الجسم الضخم الغريب، وقد عدَّت هذه الخطوة سبيلًا مباشرًا لمعرفة ما خلف هذا النجم المظلم، وهل يمكن أن يكون بوابة لعوالم موازية.

صحيحٌ أن لغز العوالم كان عملاقًا، ولم يتمكن أحد من حله حتى اليوم، وربما كان مجرد نظرية عجيبة لم يُكتب لها التحقق، ولكن الثقوب السوداء قدمت للإنسانية جمعاء هديةً عظيمة «الواي فاي WI_FI»، فقبل مائة سنة من اليوم، حين قدَّم الفيزيائي الإنجليزي ستيفن هوكينج فكرته حول الثقوب السوداء الصغيرة، وأنها يمكن أن تصدر إشارات راديوية صغيرة سريعة التلاشي، حاول المهندس الكهربائي الأسترالي جون اوسيلفيان جاهدًا التقاط هذه الإشعاعات، وبما أن الأمر لم يكن بالهيِّن؛ إذ إنها تختلط بإشعاعات كونية أخرى، ولأجل هذا السبب، ابتكر أداةً رياضية رائعة لتصفية فوضى الخلفية وإزالة الضباب الذي يشوه الإشعاعات أثناء انتقالها عبر الكون، لكن للأسف لم يتم الأمر.

و في سنة 1992 ، بينما يحاول جون العمل على تطوير شبكة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تذكر الأدوات المستعملة لالتقاط إشعاعات الثقب الأسود، والتي اكتشف فيما بعد أنها مفتاح للتواصل اللاسلكي، بمعنى آخر أن «الواي فاي» كان يلازمه منذ عقدين من الزمن دون أن ينتبه له.

و لعل اختراع «الواي فاي» الذي هو اختصار لكلمة «Wireless Fidelity» عبارة عن تقنية شبكة تواصل لاسلكية تتيح للحواسيب وبعض الأجهزة الإلكترونية فرصة الاتصال بشبكات أخرى لاسلكية مثل محطات الراديو وكل ما يبعث إشارات عبر الموجات الهوائية ذات الترددات المختلفة.

لعل هذا «الواي فاي» غيَّر طريقة عيشنا وثقافتنا ولعبنا وأكلنا بشكل مهول، قرَّب الإنترنت وبالتالي أتاح أمامنا فرصة للانفتاح على العالم ككل سهل البحث، وقرَّب البعيد وطوَّر العديد من العلوم، و قد اعتُبر من أهم الاكتشافات النافعة.

(لقد كان اكتشاف الواي فاي، اكتشاف حظ)، و هو ليس حالة خاصة واستثنائية أبدًا، بل سبق وأن حدث بشكلٍ كبيرٍ على مر التاريخ.

فكما اخترع ويلهلم رونتجن الأشعة السينية بمحض الصدفة، حين لاحظ أن أشعة الكاثود غير المرئية تسبب تأثيرًا مشعًّا على قطعة من الورق المغطاة بمادة باريوم بلاتينوكيانيد، وتبدأ بالإشعاع في الغرفة.

وكما اخترع جون والكر أعواد الكبريت، بعد ملاحظة مباغتة للمواد الكيميائية التي كان يستخدمها واختلطت فجفت ثم تسببت بإشعال النار عند محاولته إزالتها من عود الخشب.

و كما اخترع بيرسي سيبنسي صدفة الميكروويف بفضل قطعة الشوكولاتة التي ذابت في جيبه بينما كان يعمل في أنابيب الرادار للجيش.

تماما، و على المنوال نفسه، تم اختراع شبكة الواي فاي نتيجة تجارب فاشلة لكشف إشعاعات الثقوب السوداء الصغيرة.

عند البدء في الاشتغال على شيء ما، لا نعرف فعليًّا وبشكلٍ مسبق؛ أين سينتهي بنا المطاف، و أية رحلة سنخوضها.

نحن نميل إلى البحث في موضوع الثقوب السوداء مثلًا، لكن من يدري فمن خلالها قد نصل يومًا إلى أرض العجائب فعلًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد