صادف يوم 18 أيار مرور 44 عامًا تماما على الشرارة الأولى لانطلاق حركة “الفهود السود” الإسرائيلية عام 1971، والتي شنت هجوما تحول إلى كاسح على المؤسسة الصهيونية التي كانت تقودها حركة العمل، ما أسفر بعد ست سنوات عن أول انقلاب سياسي تاريخي في الحكم في دولة الكيان، حمل حزب الليكود إلى قيادة إسرائيل منفردا عام 1977.

هذا النص استعادة لتلك الفترة ومحاولة لقراءة مقارنة مع تحرك اليهود الإثيوبيين هذه الأيام، وإلقاء الضوء التحليلي على طبيعة نضال الشرقيين آنذاك والإثيوبيين اليوم، والتمييز بينه وبين نضال الفلسطينيين وكفاحهم.

أشكناز ومزراحيم وعناية خاصة

وعت الحركة الصهيونية مبكرًا مسألة التناقض بين المجموعات العرقية داخل ما أرادت فرضه كـ(شعب يهودي)، والتي كانت بداية بين المجموعتين الشرقية والغربية، المزراحيم (متضمنة السفارديم) و(الأشكيناز)، فعملت على وضع برامج اجتماعية واقتصادية وثقافية وتربوية من أجل صهر المجموعتين وتوحيدهما في بوتقة واحدة، ولكن النتائج للدمج جاءت على حساب مجموعة دون أخرى ارتباطا بالجهة المسيطرة في الحركة والتي وضعت هذه الخطط والبرامج.

فكرة الدمج كانت في جوهرها عملية إلحاق، وتحويل اليهود من غير الغربيين إلى يهود (مناسبين) لقيم الحضارة الغربية والثقافة الأشكنازية التي تم تكريسها مسبقًا بأنها تجسد قيم الحداثة.

وعلى هذا الأساس برزت نظرية (محتاجي العناية الخاصة) التي ابتكرها عالم التربية كارل فرانكشتاين، ونظرية (بوتقة الصهر) التي أطلقها شموئيل أيزنشتادت عالم الاجتماع، بالاستفادة من المستودع الفكري لدراسات الفلاسفة الوظيفية البنيوية للأمريكيين حول التطوير والتحديث. مسهمين في إطلاق وصمة التخلف على الشرقيين وأطلقوا مصطلح (الثغرة الاجتماعية) بدلا من البحث في أسبابها الحقيقية المتمثلة في العنصرية والطبقية.

وهذه الفكرة مأخوذة من منهج (الكم) الذي شاع في الولايات المتحدة والذي يحدد أن الحل اللازم لإلغاء الثغرة يكمن في تحديث الشرقيين وهو ما قصد به حسب أحد أتباع أيزنشتادت عملية “إلغاء اجتماعية للشرقيين”(1)

وقد اعتمدت نظرية الدمج على ثلاث أفكار رئيسية كانت بحد ذاتها تحمل بذور إفشالها(2):

1- إيجاد لغة منطقية تدعو المهاجرين كافة إلى الانصهار في المجتمع الثقافي وقد قامت الفكرة على إلغاء حيز ثقافي لمصلحة آخر، وبسبب طبيعة الطرف المهيمن تحولت ثقافة الشرقيين ولغتهم إلى سقط متاع.

2- صوغ أسطورة تعبئ المستوطنين وتضم تجاربهم، وقد تم تكريسها عبر صورة الرائد الاستيطاني الذي يشق الطريق ويشكل الحارس المتقدم للشعب اليهودي، وطبعا هذا الرائد هو صهيوني أشقر غربي وسقط تلقائيا أبطال الثقافة الأصلية للشرقيين.
3- التعبئة باحتلال الأرض وحمايتها لتسويغ إسكان الشرقيين في أماكن نائية وبلدات تطوير مهمشة.
وهكذا فشلت هذه الخطة لأنها وبأقل كلمات ممكنة قدمت بدائل لليهود الشرقيين لم تكن بمستوى ما طُلب منهم التخلي عنه لأجلها، ولأن الدمج بيّن لهم في النهاية أنهم لن يكونوا سوى خدم صالحين للسادة البيض.

طبعا كان للمؤسسة وجهة نظرها وتحليلها لفشل مشروع الدمج ما لا يلتفت إليه هذا النص، وإن كان من المفيد الإشارة إلى أن الأبحاث التي توصلت إلى استنتاج لا يخلو من الفوقية الاستشراقية أن تقاليد الشرقيين ستبقى عائقًا في طريق تنمية منطقية لهم(3).

التمييز العرقي أخذ أشكالا متعددة لا يتسع المجال لذكرها وتفصيلها، واستندت على مصادرة ثقافة الشرقيين وتمزيق الروابط الشرقية وتفريقهم عن بعضهم، وتفكيك روابط المجتمعات القديمة وسلب القادة التقليديين مراكزهم بين قومهم، واستيطانهم في قرى نائية ومستوطنات حدودية ومدن تطوير مهمشة فقيرة.
مؤشرات مبكرة

غضب في وادي الصليب

ولا شك أن هذه الممارسات استدعت ردودًا مختلفة على الصعيد الشرقي، ما بين تقبل الأمر الواقع وما بين الرد عليه وما بين السعي للاندماج الكلي في المجتمع الصهيوني والانفصال عنه، أو إيجاد طريق ثالثة ما بين وبين.
بدأ الاعتراض مبكرًا على السياسات التمييزية في المعسكرات الانتقالية التي شهدت مظاهرات عنيفة من أجل (الخبز والعمل)، وقد وصف مدير عام وزارة المالية آنذاك ديفيد هوروفيتش في نقاش مع بن غوريون، وضع اليهود الشرقيين في المخيمات بأنه “ثائر” و”متوقد” و”نشيط جدًا”(4).

لكن الشرارة الأولى والأكثر أهمية اندلعت في وادي الصليب في حيفا، حيث انتفض الشرقيون ضد البؤس والتفرقة عام 1959، ووادي الصليب منطقة فقيرة وصغيرة الحجم في حيفا يقطن فيها اليهود المغاربة، والسبب المباشر في أحداث وادي الصليب، كان قيام الشرطة بإطلاق النار على أحد سكارى الحي (كما ادعت الشرطة) بحجة عدم امتثاله لأمر بالتوقف، فجرح ونقل إلى المستشفى وما لبث أن شاعت إخبارية بأنه قد توفي متأثرًا بجراحه، وكتعبير عن الاحتجاج في نفوس أبناء الحي – والذين كما سبقت الإشارة، مهاجرون مغاربة يسكنون بيوتا طُرد منها سكانها العرب الأصليين – قام هؤلاء بتظاهرات صاخبة ما لبثت أن تحولت إلى أعمال عنف هاجم خلالها الثائرون مؤسسات حزبية وحكومية ودمروا عددًا من المحلات التجارية ومن سيارات الشرطة، وامتدت المواجهات إلى عدد من المدن حيث يوجد أبناء الطائفة المغربية.

كانت أحداث وادي الصليب بمثابة تنفيس لمشاعر السخط المتراكمة الناجمة عن الهوة الاجتماعية لدى الجيل الأول من الشرقيين. هذا التحرك أخمد بالقوة العسكرية، وقلل حزب العمل الحاكم آنذاك من أهمية النتائج السياسية التي أفرزتها الصدامات من دون الاهتمام بمعالجة جذرية لما حدث وأسبابه، مما قاد لثورة أوسع في السبعينات عندما طالبت حركة الفهود السود بتدمير السلطة الحاكمة، وبالحقوق الشرعية للمضطهَدين دون تفريق بالدين أو الأصل أو الجنس(5).

الفهود السود:

البحث عن صورة جديدة لليهودي الشرقي

في عام 1972 تحرك شباب شرقيون من أبناء شمال أفريقيا خصوصًا؛ لتنظيم أنفسهم في الأحياء الفقيرة في القدس تحت لواء منظمة أطلقت على نفسها “الفهود السود” تيمنًا بالفهود السود الأمريكيين، بهدف وضع حد للغبن الاجتماعي عبر محاربة المؤسسة الأشكنازية الحاكمة، عن طريق المظاهرات التي تصدت لها الشرطة بالعنف.

وجرت اشتباكات شملت معظم المدن التي يعيش فيها شرقيون، ورفعت شعارات”فلتسقط دولة الأشكناز” و”يا غولدا علمينا اليديشية”. وكانت بداية الصدامات عندما طلب الفهود السود في آذار من عام 1971 من البوليس، الإذن بالتظاهر السلمي أمام بلدية القدس، احتجاجًا على الهوة الاجتماعية، وجاء القرار بالرفض من غولدا مائير، دون إبداء الأسباب، وفي المساء نفذ البوليس اعتقالات احترازية أدت إلى اندلاع المظاهرات.

تجدر الإشارة إلى أن بداية الفهود السود كانت روبن هودية نوعًا ما، إذ كانوا يسرقون زجاجات الحليب والخبز من مداخل بيوت الأغنياء ويوزعونها على سكان الأحياء الفقيرة. وفي عام 1974 اعتقلت الشرطة سعاديا مرتسيانو أحد قادة الحركة بتهمة إلقاء قنبلة على مكتب الحاخام العنصري كاهانا، وحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر، وكان هذا الاعتقال وحملات التفتيش والتنكيل بأعضاء الحركة هو ما أشعل شرارة المواجهات من جديد، وقد ردت الحكومة بعنف واعتقلت قادة المنظمة التي أطلقت مظاهرات عارمة هزت البلاد بعنف.

لا شك أن الفهود السود كانوا رواد السياسات الاجتماعية الانتقادية والورثة الشرعيين لمتمردي وادي الصليب العفويين، لكن الوعي الحقيقي لليهود الشرقيين بدأ بالتبلور فعلًا إثر تحرك الفهود السود، ولعل أهم ما فعلوه هو تقديم الصورة الجديدة لليهود الشرقيين، الذين يعانون من التمييز في الرأي العام أو في فكر الشرقيين أنفسهم. إضافة إلى ذلك تدمير أسطورة الوعاء الواحد وعرف الجميع بوجود (شعبين) يهوديين في إسرائيل دون الكلام عن العرب.

وطالما وُصفت تحركات اليهود الشرقيين بأنها أعمال شغب، ناتجة عن الميول الطبيعية نحو العنف لدى هؤلاء الشرقيين، ونتيجة للاضطرابات العصبية وفشل الاندماج. واستخدمت شعارات الوحدة الوطنية والأمة القومية باعتبارها مبررا لقمع التحرك وإخفاء الأسباب الحقيقية للغضب، واتُهم أفراد الفهود السود بأنهم “تنظيم عرقي” يسعون إلى تقسيم الأمة، ورد هؤلاء بنفس السلاح في مهاجمة العرقية الأشكنازية، رغم أن الأشكناز مثلهم مثل أي مجموعة مسيطرة لا يعترفون بأنفسهم كعرق منفصل.

لكن الشرقيين غالبًا ما يشيرون إلى هذا عند الحديث عن “الدولة الأشكنازية” و”الأحزاب الأشكنازية” و”الصحافة الأشكنازية” و”الجيش الأشكنازي” مما يعكس إدراكًا عميقًا لواقع الانقسام، بغض النظر عن كيفية العمل لتجاوزه.

وقد كان الفهود السود،خصوصًا الفرع الذي قاده تشارلي بيتون، من أوائل اليهود الشرقيين الذين ربطوا سياسيًا بين قمع الفلسطينيين، وقمع اليهود الشرقيين وكان لجرأة أفكارهم دورًا في إكسابهم دورًا حاسمًا في تنمية الوعي السياسي لليهود الشرقيين، وتبنى الفهود السود موقفًا إيجابيًا تجاه بناء جسر التفاهم والسلام مع العرب والفلسطينيين وطالبوا بإجراء حوار حقيقي مع الفلسطينيين وسعى زعماؤهم للقاء قادة منظمة التحرير الفلسطينية، لكن كل دعواتهم رُفضت بانتظام من المؤسسة الصهيونية، وقد ركز الفهود السود على نفي الأسطورة التي تقول بمعاداة اليهود الشرقيين للعرب وأن هذا شيء طبيعي.

كما دأبت الدعاية الأشكنازية على الترويج، يقول تشارلي بيتون أحد أهم زعماء الحركة: “نحن يهود عرب، ثقافتنا وحضارتنا هي الحضارة والتراث العربي، الغالبية الساحقة من أبناء الطوائف الشرقية تريد أن تعيش بسلام مع العرب”(6).

ويستشهد بيتون على صحة كلامه بأن نسبة الشرقيين الذين يصوتون للأحزاب المتطرفة المعادية للعرب بشدة، هتحيا وغوش إيمونيم وكاخ تساوي الصفر، وأن جميع الأعضاء الشرقيين في مختلف الأحزاب الإسرائيلية ينتمون إلى الأجنحة المعتدلة في أحزابهم.

طبعًا قد يكون هذا الكلام صحيحًا، ولكنه لا يعني شيئًا للفلسطينيين فالشرقي الذي يختار أن يكون في الليكود، يضع نفسه في تعارض كامل مع مصالح الفلسطينيين، بل كل من ينتمي إلى حزب صهيوني، ولا يكفي الاعتدال هنا، والشرقيون أنفسهم غير مقتنعين به، بدليل انطلاق حركة الفهود السود للتعبير عن هوية شرقية مستقلة واتجاه سياسي مختلف في التعبير عن الموقف من القضية الفلسطينية.

لم يكن لحركة الفهود السود أن تنمو وتتطور وتتجذر، بسبب التصدي العنيف من قبل المؤسسة الحاكمة، والخلافات التي نشأت بين مؤسسيها، ونشوب حرب 1973، وطغيان الموضوع الأمني على ما عداه.

وتتلخص الخلافات في صفوف الفهود السود بالنقاط التالية: هل المعركة اجتماعية أم إثنية؟ وهل المشكلة هي صراع طبقات أم صراع جماعة ضد جماعة؟ وهل هم يمين أم يسار؟ وهل يمكن الفصل بين السياسة الاجتماعية للحكومة والسياسة الخارجية لها؟

وبعد حرب تشرين وتقدم الأمن كما سبق، دفع الفهود السود الثمن، فلم يحصلوا على نسبة 1% اللازمة لدخول قائمتهم إلى البرلمان في الانتخابات 1977 فانضم تشارلي بيتون إلى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة تحت راية الحزب الشيوعي وانتخب عضوًا في الكنيست، وانضم مرتسيانو إلى حركة هيلا، المهتمة بالتراث والتقاليد الشرقية، وانتخب أيضًا للكنيست.

لكن الجمهور الشرقي كان قد حسم خياره بالتصويت لليمين ولبيغن تحديدًا، ما أدى إلى أول انقلاب سياسي في تاريخ إسرائيل عبر انتزاع الراية من يد التيار العمالي. وعام 1985 عاد القادة للالتقاء مجددًا حيث عقد قدامى المحاربين مؤتمرًا صحفيًا وشكلوا حركة جديدة اسمها (نضال 85)، لكن الخريطة السياسية كانت تغيرت وفرص النجاح أقل بكثير(7).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

شلومو سفيرسكي، الأكثرية اليهودية الشرقية. دار الحمراء. بيروت ط1 1991 – ص14.
ميكائيل الباز، المنفى الداخلي لليهود الشرقيين، في:المشكلة السفاردية. إسرائيل الثانية. عدد من المؤلفين. ترجمة فؤاد جديد. منشورات فلسطين المحتلة. بيروت، بدون تاريخ. ص100
المصدر السابق. ص109
إيلا حبيبة شوحط،"الصهيونية من منظور ضحاياها اليهود"، في : إلياس جرايسة وهداية أمين، قراءات نقدية في تاريخ اليهود الشرقيين. (القدس – بيت لحم،. مركز المعلومات البديلة،1998.) ص88
شوحط. المصدر السابق، ص 89. راجع أيضا: شلومو مالكا. الفهود السود: في : إسرائيل الثانية:المشكلة السفاردية. سبق ذكره ص 169-171
الدستور الأردنية – عن الفجر المقدسية - 5 نيسان 1985
لمزيد من المعلومات حول حركة الفهود السود: -شلومو مالكا. الفهود السود. في المشكلة السفاردية. سبق ذكره. ص 169-177. - مردخاي سومان: بين التمرد والانطواء. في المشكلة السفاردية. سبق ذكره. ص 179-189.
عرض التعليقات
تحميل المزيد