كم مرة جلست أمام والدك أو جدك وهو يخبرك عن عظمة السنوات الماضية بشكل تفصيلي يصيبك بالملل، دائمًا يبدأ الحديث بموقف بسيط، ثم يمتد لاسترسال طويل يفُقدك القدرة على مواصلة الاستماع بالشغف نفسه، يجعل الطرف الآخر يتوقف بشكل مفاجئ لن تلحظه؛ لأنك وقتها ستكون في عالم آخر.

هناك شيءٌ ما غير مفهوم في الحنين إلى الماضي، أو بالأحرى التقدير الحقيقي للأشياء بعد مرورها، ألم تسأل نفسك ما السبب الذي يجعلك تتمنى كل يوم عودة أيام الكلية، بالرغم من أنك كنت تمقُتها بشدة عندما كنت طالبًا؟ أو أن عينيك ما تزال تترقرق بالدموع عندما تستمع لأغنية وصفتها لك إحدى صديقاتك التي لم تعد من المُقربين؟ هل لديك أصدقاء حقيقيون؟ أم أنك تشعر بالندم لابتعادك عنهم وهجرهم منذ أعوام بسبب خلافات تراها الآن هيّنة؟ هل حياتك تسير بشكل جيد؟ أم أن هناك خلل ما تهرب من خلاله إلى طرقات الماضي المظلمة؟

رؤية الماضي جميلًا هي فطرة في الإنسان يتأثر بها عندما يكون في حالة مزاجية جيدة، وربما ذلك ما يجعله يرى في الماضي كل جميل، وكأنه يرى كل موقف من بعيد بشيء من التأمل وهو يستمتع بالتفاصيل تارة، ويشعر بالندم لأنه لم يعشه كما يجب تارةً أخري، فينسى أن هناك فتاة قد صفعته على وجهه، ولكنه يذكر فقط أنها ابتسمت له ذات مرة وكانت ابتسامتها جميلة، أو يتجاهل كُرهه للمسلسل الذي كانت تتابعه أمه، ويتذكر فقط أن أمه رحلت من هنا، وأنه بدونها وحيد يشقى في الحياة.

من البديهي أنه كلما زادت المسافة الزمنية بينك وبين مرحلة ما من حياتك كلما زاد اشتياقك إليها، وهذا ما يجعلنا جميعًا نتفق أن مرحلة الطفولة هي أجمل ما رأيناه دائمًا وأبدًا، متعللين بأنه لم تكن هناك هموم ولا ضغوط حياتية تؤرقنا، وبالرغم من أننا نعلم أن حاضرنا سيكون ماضيًا عظيمًا مستقبلًا فإننا نتركه متعلقين بحبال الماضي التي سنتركها عندما تمر السنين لنعود للدائرة الفارغة نفسها بلا جدوى.

ولكن إن نظرنا للموضوع بطريقة أكثر موضوعية سنجد أن الإنسان كائن غريب لا يدرك النعمة إلا بعد زوالها، يبرز الصفات الجيدة في الشخص الذي يكرهه بعد أن يموت، فلماذا لم تبرزها في حياته وتقابله بشيء من الود؟ حتى إنك الآن تشتاق لجلسة واحدة مع جدك الذي كنت تمل من حديثه الطويل في الماضي.

أتعرفون أنه عندما مرضت أمي وكانت بالمستشفى كنت ألوم نفسي صباحًا ومساءً على كل ليلة كنت أنشغل فيها بشيء تافه، وأتركها جالسة بمفردها، والآن عندما تعافت أصبح الأمر كالماضي، وكأن شيئًا لم يكن، أعرف ذلك الشخص الذي يغضب وتتغير ملامح وجهه عندما يستقبل مكالمة من أمه، أريد أن أخبره أنك بعد عدة سنوات ستندم كثيرًا على هذه اللحظات عندما لا تراها مجددًا.

اعترف أن هناك دائمًا شيئًا يجذبك في ذكريات الماضي، ولكنك يجب أن تعي جيدًا أنه كان كالحاضر به أشياء جميلة وأشياء سيئة، وأنت تراه جميلًا دائمًا لأنك لا تتذكر منه سوى الأشياء التي كانت بحالٍ جيد، ولم تعد كذلك الآن، وصدقني التفكير في الماضي لن يضيف إلى حياتك أي جديد، وإنما ما يضيف لها هو الآن، دعك من الماضي وسخر قواك في جعل ما تعيشه الآن من أفضل ما يكون، وقتها لن تجد متسعًا من الوقت لإجهاد عقلك في إحياء ذكريات كانت تود لو بإمكانها أن تتحدث لتقول لك دعنا وشأننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد