إن الزواج من نعم الله على عباده فقد جعله الله سكنًا ورحمة ومودة بعد أن امتن الله على بني آدم وجعل من أنفسهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل الله الطلاق وأحله في كل أديانه مخرجًا عند تعذر استمرار العيش بينهما وعند بلوغ النفور مبلغًا عظيمًا ، فقال سبحانه: “وإن يتفرقا يغنِ الله كلا من سعته وكان الله واسعًا حكيمًا” (النساء:130).

 
وفي تفسير هذه الآية الكريمة قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله وإن يتفرقا أي: بطلاق، أو فسخ، أو خلع، أو غير ذلك (يغن الله كلا) من الزوجين (من سعته) أي: من فضله، وإحسانه الواسع الشامل، فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله، وإن انقطع نصيبها من زوجها، فإن رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق، القائم بمصالحهم، ولعل الله يرزقها زوجًا خيرًا منه (وكان الله واسعًا) أي: كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه، وكان مع ذلك (حكيمًا) أي: يعطي بحكمه، ويمنع لحكمه.

 

 
وترجع أسباب الطلاق لأسباب عدة نذكر منها:

 

 
• إن من أهم أسباب الطلاق في المجتمعات العربية أن كلا الطرفين يظنون أن كل واحد فيهم خسارة في الطرف الآخر وأنه من المفترض أن يحصل على أفضل من ذلك فتنشأ لديه رغبه بعدم الحمد وعدم قبول نصيبه فيتمرد على ذلك وتبدأ الخلافات من هذا المنطلق.

• ومن أسباب الطلاق أن من حولنا يبتزوننا بكلامهم الجارح ليكون دافعًا لهم حول تحريكنا نحو القبول بما هو متاح حاليًا وهي (زواجه والسلام).
• سوء الاختيار سواء من الرجل أو المرأة بسبب الاستعجال حتى تتخلص من كلام الناس والأصدقاء وغيرها من الأمور التي أصبحت عبئًا كبيرًا على الوالدين والنساء عامة فيجعلهم مع الضغوط يستعجلون في القبول ممن يطرق الباب.

• عدم البحث عن صاحبة الدين أو صاحب الدين والانخداع بالتدين المغشوش بمعنى أن تنخدع الفتاة بشاب يبدو عليه التدين وينخدع الشاب بعائلة يبدو عليها التدين ثم تفاجأ بالحقيقة كاملة بعد الزواج.
• التركيز على الماديات من جهة الطرفين خاصة أهل الفتاة والمطالب التي تترك أثرًا كبيرًا في نفس الزوج من سوء استغلاله منهم.

• كثرة الذنوب من الزوجين أو أحدهم، قال أحد السلف إني لأرى أثر معصيتي في خلق دابتي وزوجتي.
• التدخل في شؤون الزوجين من قبل الأهل مما يسبب مشاكل لا حصر لها ولهذا وجب على الزوجين من البداية حسم هذه المشكلة لأنها من أكبر مسببات الانفصال بين الزوجين.

• العند بين الزوجين أو أهليهم، وكلٌّ يدعي أنه على حق، فالمرأة العنيدة لا تصلح مع زوج عنيد ولا تصلح مع غيره لأنها ببساطة هي الأضعف فوجب عليها التعامل بذكاء ووجب عليهما أن يتعاملوا بمبدأ أنه لا يوجد إنسان كامل فلا يفرك – يبغض – مؤمن مؤمنة إن كره منها خلق رضي منها آخر.

 

• عدم الجدية والخبرة من بعض الشباب المتزوج حديثًا وكثرة لفظ التهديد بالطلاق، وعدم اللامبالاة وذلك بسبب اعتياد بعضهم على حياة من نوع معين وروتين خاص فيتفاجأ بحياة جديدة ونظام جديد سواء من الشباب أو الفتاة التي كانت مدللة في بيت أبيها وجميع مطالبها مجابة.
• عدم الإنصات لوسائل الإعلام من مسلسلات وأفلام هابطة جاءت إلينا من هنا ومن هناك فتركت بصمات في البيوت العربية وأثرت على كثير منها خاصة النساء اللاتي يقارنن بين أزواجهن وأبطال تلك المسلسلات.

• كثرة الشك والبخل والطمع والإهمال وطلب الكمال وعدم الصبر على أخطائهم والانشغال بالأهل والأصدقاء وترك بعضهم البعض.

الطلاق ليس حرامًا ولا بغيضًا

قد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها وذلك لإفشاء السر وراجعها بأمر الله فقال رسول الله قال لي جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة.

 

 
الطلاق هو باب الرحمة لنجاة أشخاص يعيشون وسط هم وغم لا يعلم بحالهم إلا الله وقد يكون حلًا أخيرًا لحياة لم يُرجَ منها فائدة ولا إصلاح بعد أن أغلقت كل الأبواب في وجوه المتزوجين، فيكون الطلاق أمرًا لابد منه بعد أن أصبح لا يؤدي الزواج المقصود منه وهو السكن والمودة والرحمة ونشأة جيل يعبد الله حق العبادة، بعد أن أصبح رؤية كلاهما بغيض على الآخر وأصبحت الخسائر أكبر، فلابد من الخروج بالمعروف كما أمر الله، ولم يُشرعه الله ويُنزل به سورة كاملة في القرآن إلا لأهميته وقد ضعف أهل العلم حديث أبغض الحلال إلى الله الطلاق وقيل لأنه لا يوجد حلال بغيض.

نظرة المجتمع للمطلق والمطلقة

في المجتمعات العربية لابد أن يكون سجلك الحياتي مسجلًا دون نقاط سوداء حتى يقبلون بك في حياتهم بمعنى إذا كنت مطلقًا أو مطلقة أصبحت تحمل نقطة سوداء في سجل حياتك، حتى ولو كنت مجني عليك أو مجني عليها، ولكن هذه الشعوب تربت فقط على سوء الظن وبمجرد سماع لقب مطلقة علت أصوات الشك وأصوات سوء الظن ولمَ لا وقد كان الطلاق فخ إبليس المنصوب والمحبب له، ولكن ما يفعله إبليس بالناس بعد الطلاق لا يقل خطرًا عما فعله قبل الطلاق.

 

تلك الكلمة التي يشعر من يحملها بأنها تجلب العار لصاحبها ولا أدري كيف الناس يقبلون أن يعيشوا حياتهم في ذل ومهانة وانكسار ولكن يرفضون لقب هذه الكلمة، كيف يوافقون أن ابنتهم تعيش مع زوج قاسي القلب وبه كل الصفات السيئة التي لم تظهر إلا بعد الزواج أو كان يخدعها بها ولم يظهر عليه كل ذلك، وكيف لرجل يقبل أن يعيش في جحيم امرأة لا تحمل أي صفة من صفات الأنثى في ظل ألا يحصل على هذا اللقب، اشتكى رجل لأحد الصالحين من زوجته فقال له منذ متى وأنت تعيش في هذا؟ فقل له منذ أربع سنوات قال له منذ أربع سنوات وأنت تتجرع السم؟ لماذا!

الحلول المتاحة والممكنة

• تطبيق تجربة ماليزيا في موضوع الطلاق التي استطاعت بخفض معدل حالات الطلاق من 32% إلى 7% وذلك بخضوع المقبلين على الزواج بأخذ دورات في كيفية التعامل مع الشريك ولا شك أن جدية هذه الدورات وتطبيقها العملي يؤثر إيجابيًا على الحياة الزوجية.

• كما قلنا من المشاكل تدخل الأهل في مشاكل الزوجين فإن من الحلول أنه يجب عدم التدخل لأنه بالفعل هم أكثر الأسباب المؤدية للطلاق، بل وجب عليهم النصح بما يرضي الله عند حدوث مشكلة.
• تقوى الله هي حل لكل مشكلة مستعصية ومراعاة السؤال أمام الله عن هذه الزوجة وأيضًا الزوجة ستسأل عن كل أفعالها مع الزوج.

• التفقه في الدين من جانب الزوجين يريح ويقلل المشاكل فلو علمت المرأة حق طاعة الزوج فيما لا يعصي الله، وفهم الزوج “استوصوا بالنساء خيرًا” لتفادوا مشاكل كثيرة قبل الوقوع فيها.
• عدم إفشاء السر، قال الله تعالى: “فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله”، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها”.

• الرضا، هو أن يرضى كلا الطرفين ببعضهما البعض بل وترضى الزوجة بكل ما يملك الزوج من مال قليل أو كثير.
• فهم مداخل كلِّ منهما لبعض وذلك من فترة الخطوبة وليس بعد الزواج فقط وهذا يسهل كثيرًا على الزوجين أن يعرف كل واحد منهما ما يسعده وما يغضبه وتحديد هذا التوافق من فترة الخطوبة حتى يستطيعان وضع قرار بقبول متطلبات الآخر أم لا.

• دور الإعلام الإيجابي في نشر الوعي الثقافي للحياة الزوجية، ودور الأهل والأصدقاء الإيجابي في عدم الاستعجال في الطلاق ووضع حلول ممكنة بينهم.
• التوافق الفكري والعلمي والاجتماعي بين المتزوجين هذا من أهم أسباب الاستقرار بعد الزواج وإن كان بعض الناس يغفلون عن أهميته.

• الاعتراف بنقص كل إنسان على وجه الأرض وأننا جميعًا ذوو أخطاء ولا يفرق مؤمن مؤمنة إن كرِه منها خُلقًا رضي منها آخر، فلا أنت كامل وهي بطبيعتها بها نقص وهذا خلق الله وليس عيبًا بها أو ذنبًا عليها.
• هناك الكثير من الحلول التي قد تساعد على لم الشمل ولكن إذا استحالت العشرة فليس شيئًا صعبًا في ديننا بل رخص الله لنا الطلاق وجعل كل شيء يسيرًا ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فالعبرة باتخاذ الأسباب في البداية وتجنب الوقوع في كل هذه المشاكل من البداية، فليس عيبًا أن تقف وتقرر التصحيح، وعلى جميع الناس عدم إساءة الظن للمطلق والمطلقة ولا تعير أخيك حتى يرحمه الله ويبتليك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد