فاجأنا علم الجينوم ذات يوم بدراسة علمية مهمة للغاية تثبت أن الجنس البشري يعود جذوره إلى الأصل الأفريقي، ويبدو أن هناك من شكك في تلك الدراسة، ووجه انتقادات لها، فدخلت في حالة سبات عميق. وتواترت بعدها الدراسات التي حاولت جاهدة أن تتوصل إلى تلك النتيجة المبهرة إلى أن جاء عام 2016 الذي حسم تلك القضية العلمية الشائكة، وثبت بالأدلة القاطعة بدون أدنى شك أن كل البشر الذين يعيشون على كوكب الأرض يحملون جميعًا جينات وراثية تعود للجين الأول، وهو جين العرق الأفريقي.

ويعني هذا أن أفريقيا حقًّا مهد للبشرية، وأن هجرة الرعيل الأول من أبنائها للقارتي البكر آسيا وأوروبا كانت النقطة الأولى من الغيث، واللبنة الأولى للتعمير والتنمية. إذن يحق لهذه القارة السمراء أن تتوج بلقب «أم القارات»، وصانعة الحضارات، وصاحبة الفضل والإحسان على كل شعوب العالم، لكنها بطيبتها وأصالتها لم تتقِ شر من أحسنت إليهم.

استرحتُ كثيرًا بعد قراءة تلك الدراسة الجديدة، وكنت في حاجة ماسة للشعور بالراحة؛ لأنني كنت مقبلة وقتها على قراءة كتاب ضخم للغاية كان يحتاج لصفاء ذهن وقوة تركيز وصبر جميل، هو كتاب «الماركسية السوداء.. تكوين حراك ثوري للشعوب السوداء» الصادر عن المركز القومي المصري للترجمة في عام 2015، والذي ألفه المفكر الراديكالي والبروفيسور الأمريكي سيدريك جي. روبنسون، وعرّبه من اللغة الإنجليزية الدكتور عاطف معتمد أستاذ بقسم الجغرافياـ كلية الآداب جامعة القاهرة، والدكتور عزت زيان أستاذ مشارك بمعهد التخطيط القومي المصري.

استحضرت ذاكرتي اليوم هذا الكتاب القيم الذي يعلمك قبل أن تحتفل بالعيد الثامن لثورتك «السمراء» 25 يناير (كانون الثاني) أن تحيي ذكرى الثورات الأفريقية، وينصحك قبل أن تشتم زهور الربيع العربي أن تملأ رئتيك بهواء الربيع الأفريقي القديم.

حينما خرج هذا الكتاب إلى النور وذهبت لشرائه رأيته مصطفًا بشموخ بين كتب الفكر والفلسفة. وأثار دهشتي بعدد صفحاته التي زادت على 980 صفحة مما أثار فضولي أيضًا؛ لذا شرعتُ بلهفة قارئة عربية «أفريقية» في قراءة الفصول الاثنتي عشرة التي يتألف منها الكتاب، والذي يشرح المؤلف على مداها الطمس المتعمد «مع سبق الإصرار والترصد» للتراث الثوري للشعوب الأفريقية، على يد رواد الفكر الأوروبي الذين ننعتهم نحن الأفارقة بالفلاسفة «العظماء»! والعظماء هنا هم ثوار الشعوب السوداء وتاريخهم المشرف، وليسوا من ازدانت عقولهم بالحكمة، ولطخوا ضمائرهم بالعنصرية.

في هذا الكتاب أفريقيا تتكلم والعالم يسمع، أفريقيا تدافع عن نفسها بعد قرون عاشتها في قبو مظلم من قبل سجان أبيض استعبدها جسدًا وروحًا وفكرًا وتاريخًا.

ولإعادة الاعتبار لهذه القارة «الأم»؛ يؤكد لك سيدريك روبنسون في هذا الفحص التاريخي المضيء أن الشعوب الأفريقية كانت لها الدور الأعظم في تكوين العالم الأوروبي الحديث وما قبل الحديث، وأن جذور الفكر الراديكالي للسود نابعة من التراث الثقافي والمعارف المشتركة بين الشعوب الأفريقية المختلفة.

ولكي يثبت لك ذلك؛ أعاد روبنسون كتابة تاريخ الغرب من العصور القديمة حتى منتصف القرن العشرين باحترافية مؤرخ توخى الدقة في إظهار كل ما هو مسكوت عنه من خلال الكشف عن حركات التحرير المتميزة للشعوب السوداء، متحديًا الأفكار السائدة للنظرية الماركسية حول المفهوم الثوري، مستعرضًا مدى عجزها في فهم طبيعة العنصرية التي ظهرت بقوة منذ بدايات الحضارة الأوروبية، والتي استفحلت مع بزوغ الرأسمالية في العصر الحديث، خاصة مع قدوم العمالة الأفريقية إلى العالم الجديد؛ مما أنتج نظامًا عالميًّا حديثًا أطلق عليه «الرأسمالية العنصرية» التي تعتمد على العبودية والعنف والإمبرالية والإبادة الجماعية.

وعلى جبهة أخرى، استطاع روبنسون أن يفند بموضوعية عادلة أكاذيب المفكرين الأوروبيين الذين اجتهدوا بأقصى طاقتهم لفك الروابط الفكرية والثقافية بين الحضارات الغربية، والأفريقية، خاصة الحضارتين المصرية والإسلامية لمحو الإنجازات الأفريقية في الغرب، واختزال القارة في شكل أرض جرداء يعيش عليها كائنات بربرية لا صلة لها بالتحضر، وذلك من أجل الحفاظ على نقاء العرق الأبيض وتطهيره من أية شائبة تشوبه من العرق الأسود.

وكأن روبنسون يقول لك بكل بساطة بأنك تعرضت لأكبر عملية خداع ونصب فكري في التاريخ، وقد تم تزييف ذاكرتك بالكامل منذ زمن بعيد على يد رواد الفكر الثوري الذين زيفوا الحقائق بخرافاتهم العنصرية؛ لكي يظهر الغرب أمام العالم بأنه وحده من صدر الحضارة والحداثة لدول العالم الثالث.

ويظهر ذلك جليًا في قيام الثورة الأمريكية (1765- 1783) التي اندلعت من أجل الاستقلال عن بريطانيا العظمى. فكانت تنادي بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة من أجل العرق الأبيض (المتفوق)، وليس من أجل العبيد السود الذين تم حرمانهم من التبرك بتلك الحرية. فبدت شعارات الثورة الأمريكية عبارة عن تناقضات في الشكل والمضمون، تنادي بـ«الحرية والعبودية» معًا، وبـ«المساواة والعنصرية» في الوقت نفسه، وذلك التناقض الصارخ دفع فلاسفة ذلك الزمن الجائر بالادعاء الزائف بأن العبيد الذين ينحدرون من العرق الأسود ليسوا بشرًا آدميين، بل هم مخلوقات أقل مكانة ووعيًا؛ وبالتالي لا يحق لهم أن يمتلكوا أنفسهم وبالطبع ليست لهم حقوق إنسانية.

وذلك ما ساهم مساهمة كبيرة في خدمة الإمبراطوريات الإمبريالية، وتوسيع بقعة الاستعمار على القارة الأفريقية «كعكة الشيكولاتة» الغنية، فقد سال لعاب أعتى تلك الدول الاستعمارية والتنافس فيما بينها لفرض الإرادة الاستعمارية على تلك الشعوب المتوحشة، بحجة جلب الحضارة إليها (تبرير لا يزال ساري المفعول حتى يومنا هذا).

ونظرًا إلى أن روبنسون يمتلك أسلوبًا إنسانيًّا متمردًا في الكتابة؛ استطاع أن يلطقتني من نفسي ويقودني عبر العبد الأسود المقيد بأغلال الظلم لأشعر بأنفاس أولئك العبيد -غير الآدميين على حد زعمهم- الذين كانت لديهم ملاذ نفسية يسعون إليها لتسكين أوجاعهم. كانوا يبتلعون شكواهم مع كسرات الخبز التي كانت تلقى إليهم، ويتجرعون غصص مرارتهم مع كل شربة ماء تروي ظمأهم، كانوا ينظرون في أعين بعضهم البعض ليتبادلوا الطمأنينة في ما بينهم، وليمنحوا أنفسهم بقايا آمال يعززون بها الحياة القاسية التي فرضت عليهم، ولا بد من التعايش معها بكل ما كان يمارس ضدهم من ظلم وقهر واستعباد. وبعد أن يجددوا أرواحهم وبأذهان متوقدة يستقبلون حماستهم ويشعلون تمردهم لجعل طريقة معيشتهم في الحياة ممارسة النضال الثوري بصورة مستمرة. وتلك هي المعاني السامية التي أتوا بها إلى العالم الجديد، وكانت جزءًا من مقوماتهم الثقافية.

وعلى الرغم من اعتراف كارل ماركس في خطابه الذي أرسله إلى الناقد والمؤرخ الأدبي الروسي بافل أنينكوف في عام 1846 بأن «الرق يمثل فئة اقتصادية ذات أهمية قصوى»، وكما تم معالجته أيضًا في المجلد الأول من كتاب رأس المال بأنه «المحرك الرئيس للتراكم الأولي»، إلا أن روبنسون قد لاحظ أن نظرة ماركس للرقيق كانت نظرة اقتصادية بحتة، مثلهم كمثل الآلات الصناعية بلا روح ولا وعي، برغم علاقتهم الوطيدة بالتطور الرأسمالي. وتلك النظرة جعلته لا يدرك أن شحنات الرقيق التي نقلت عبر الأطلنطي لم تتألف فقط من رجال ونساء وأطفال سود بلا فكر أو ثقافة، بل كانت تحوي بداخلهم ثقافات أفريقية ومعتقدات وعادات وأخلاقيات وغيبيات وماضيًا حضاريًّا، وتلك هي المكونات الحقيقية التي شكلت وعيهم وإدراكهم وإنسانيتهم ونضالهم.

لذا كان التمرد الوسيلة الوحيدة للخلاص من أغلال العبودية، والهروب من الحاضر الأليم. وكانت البداية من منتصف القرن السادس عشر حين انتشرت نار التمرد بين الرقيق في المستعمرات الأوروبية في العالم الجديد؛ لرفض نظام الرق والإمبريالية الاستعمارية. ونجحوا بالفعل في تكوين مستوطنات لهم ومجتمعات حرة معترف بها رسميًّا، وذلك ما سبب مشكلة خطيرة ومخاوف كبيرة لدول الاستعمار التي فشلت بكل الطرق القمعية الوحشية في القضاء على ذلك الكفاح، الذي اضطر أن يتسلح ويحول مئات التمردات وعشرات الثورات التي اندلعت على مدى ثلاثة قرون إلى معارك تحريرية للحفاط على الهوية الجماعية للشعوب الأفريقية في الشتات.

وكانت ثورة هاييتي المسلحة (1791- 1804) من أشهر تلك الثورات التي هزمت القوات الفرنسية، التي تعتبر من أقوى الجيوش في ذلك الوقت. كما أظهرت قدرتها الفائقة في فنون الحرب الثورية مرة أخرى حين عصفت بالغطرسة الفرنسية النابليونية في عام 1803، ووضعتها تحت أقدام من رفعوا راية النصر. وهكذا أصبحت هاييتي في عام 1804، أول جمهورية للرقيق نالت استقلالها السياسي من الاستعمار الأوروبي، والفتيل الناري الذي فجر العشرات من ثورات الرقيق عبر العالم الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد