حين استحكمت قبضة الاستعمار على البلاد بصورة رسمية وتم إدماج عمالة السود في هيكل اجتماعي مقيد بدرجة أكبر انطلقت ثورات جديدة للشعوب السوداء لتحديد مصيرها في العالم الجديد فظن «رجال بيض أغبياء» بأنها هبَّات جديدة من حيوانات أنهكها التعب من العمل اليومي الشاق تحت السياط. لكنهم لم يدركوا أنها ثورات شاملة تستهدف التغيير الجذري للمجتمع الغربي والتطلع إلى مستقبل أفضل في مجتمع عادل يستقيم في يده الميزان، لا يقاس فيه البشر بمقدار صبغة الميلانين التي تحملها بشرتهم فيضع أثقلها في كفة العبيد وأخفها في كفة الأسياد.

وتلك الحقبة الثورية الخصبة هي التي أنبتت عقولًا راديكالية للسود استطاعت أن تغوص إلى أبعد نقطة في أعماق التاريخ مخترقة كل الموروثات الفلسفية الزائفة لكي تنتشل الحقائق التي كادت أن تطمس للأبد وذلك من أجل تحرير المفهوم الثوري من الصندوق الماركسي وإعادة توجيهه مرة أخرى على مستوى القاعدة الشعبية.

ولقد اختار روبنسون بعض الأعمال الفكرية الرائدة لثلاثة من المفكرين الراديكاليين السود وهم دو بويز، وكيريل جيمس، وريتشارد رايت لكي يتسلح بآرائهم النقدية أمام عدوه العتيد المسمى بالماركسية. فكانت كل انتقاداتهم منصبة على فشلها الذريع في التوافق مع القومية، والوعي، والعنصرية، والحضارة الغربية، وتاريخ السود، وكانت أهدافها سياسية أكثر منها تحليلية. فكانت النتيجة لا نظرية ولا تطبيقية، ولكن تحقيق السلطة.

ومن هنا وجدوا أنها غير مرضية كنظرية شاملة للمجتمع، بل اختزلت في الوعي الثوري البروليتاري، على الرغم من أن الوعي الثوري تكون أثناء مناهضة الإمبريالية والكفاح الوطني، وكان تاريخيًا وثقافيًا، وليس انعكاسًا للإنتاج.

فقد ظلت الماركسية أيديولوجية «يجب على» الطبقة العاملة الغربية أن تتبناها وليست إيديولوجية «عن» كل الطبقات العاملة خاصة طبقة الرقيق التي مثلت التهديد الأقوى للنظام الرأسمالي الأمريكي. ولذلك قرر أولئك المفكرون الانفصال عنها تمامًا والعودة إلى التراث الراديكالي للسود الذي تم اكتشافه من خلال دراستهم للحركات الثورية المتميزة للشعوب السوداء.

وبرغم كل هذه الانتقادات لم أتعجب من ذلك التناقض البشع في فكر ماركس؛ لأن زيارته الشهيرة التي قام بها في شتاء 1882 إلى بلد المقاومة الجزائر وهي تحت وطأة الاستعمار الفرنسي تؤكد ذلك. ويبدو إن روبنسون كان يجهل تلك الزيارة لإنه لم يذكرها في هذا الكتاب الاستقصائي.

لقد مكث ماركس لأكثر من شهرين في الجزائر بناء على نصائح الأطباء لما كان يعانيه من تدهور صحته بعد وفاة زوجته. والمثير للدهشة أن ماركس الذي كان يعلم جيدًا التاريخ الثوري التحرري للجزائر لم يشغف على أرضها بمعرفة الثقافة العربية القبلية للجزائر، ولم يثير فضوله التقرب من الإنسان الجزائري ومعيشته والمدافعة عن قضيته وأرضه التي سلبت منه عنوة من قبل المستعمر الفرنسي الذي مارس عليه أبشع الانتهاكات الوحشية في التاريخ لطمس هاويته وتشويه تاريخه الثوري.

بل اكتفى ماركس الذي كان يدافع طيلة حياته عن حقوق الطبقات الكادحة بكتابة ست عشرة رسالة لبناته ولصديقه الحميم الفيلسوف فريدريش إنجلز تندرج جميعها تحت كتابة «أدب المراسلات».

صحيح أن محتوى تلك الرسائل كان خاليًا من التهجم على الإنسان العربي، وليس معاديًا للجزائرين (كما ادّعى البعض بغير ذلك) إلا أنه لم يظهر التعاطف معهم وبدا الرجل كسائح أجنبي أتى للاستجمام والتجوال بين قصبات الجزائر تحت أشعة شمسها الدافئة.

الأدهى من ذلك (وكأن القدر يختبره أمامنا) إن الفترة التي قضاها في الجزائر كانت مضطربة للغاية شهدت الكثير من المقاومات الشعبية ضد المستعمر الفرنسي وكانت على رأسها إحدى المواجهات الدامية للمقاومة التي قام بها الشيخ بوعمامة في الجنوب الغربي الصحراوي والتي اطلع عليها ماركس من خلال الصحف الفرنسية الكولونيالية التي راحت تتحدث عن مدى شجاعة وتنظيم ذلك الثائر الجزائري وعن الخسائر الفادحة التي تكبدتها العسكرية الفرنسية. أما ماركس ذكر بعد يومين في إحدى رسائله حدث آخر مشين لا صلة له بمقاومة ذلك الثائر الوطني.

لقد شاهد ماركس بأم عينه كل ما كان يدافع عنه وما كان ينبذه ويناهضه طيلة حياته متجسدًا على أرض الجزائر من استعمار وحشي ونظام إقطاعي جائر وطبقة مجحفة من الجزائريين ورأسمالية فجة. وبالرغم من ذلك لم يحرك ساكنًا في ضمير ذلك الفيلسوف «الاشتراكي الثوري». وبالتأكيد لم ينبس بكلمة واحدة بعد عودته إلى أوروبا بشهرين تقريبًا حين أعدت بريطانيا العظمى أسطولها الحربي والتوجه إلى مصر في صيف 1882 لاحتلال أرضها والقضاء على الثورة العرابية للأبد.

من الواضح إن السيد ماركس لم يتحايل على أفكاره وهو في نهاية العمر، بل كان لديه قناعة تامة بأن الاستعمار الفرنسي كان بمثابة «فريق إنقاذ حضاري» للشعب الجزائري. وهذا ما جعلني أتيقن من كل ما توصل إليه روبنسون من تناقضات النظرية الماركسية التي حفزته أن يمزق قناع الرياء عن وجهها ليفضح عنصريتها.

لا يكتفي روبنسون في كتابة هذا الكشف التاريخي الرائد بالحبر الأسود فقط، بل كتبه بالأسود والأبيض معًا. موجهًا رسالة عميقة للشعوب السوداء بالحفاظ والمفاخرة بإرث أسلافهم الثوري الذين عانوا من ويلات العبودية والمدافعة عن حقوقهم في الحياة، ورسالة أخرى لإيقاظ ضمائر الجماهير البيضاء من غفلتها ورد المظالم التي ارتكبت أمام أعينهم في حق الجماهير السوداء.

لقد كتب الحقيقة والعظة والوصية، وفي نفس الوقت كتب الإنذار والاعتراف والمناصرة، بقدر المديح بقدر الإدانة!

ها هو الوجه الآخر للماركسية الذي لم يخبرك عنه العالم يومًا. هاهو وزن النضال المستمر وثقل الكفاح الذي لا نهاية له. ها هي السودان تنتفض هذه الأيام لتقول للعالم الذي يتجاهلها (رغمًا عنه): إن ثمة «ثورة سمراء» وليدة لا تزال تبحث في القرن الحادي والعشرين عن «الحرية» التي اقتنصتها يومًا بعض ثورات الشعوب السوداء، وهي في أسر العبودية، فما بالك باقتناص ثورات الأحرار!

تعرف أكثر على التاريخ المبكر لثورات العبيد، اقرأ القصة من بدايتها ولا تقرأ مقتطفات عنها بحجة أنك تعرفها فأنت لا تعرف شيئًا. فمن نقل لك بإن الرق كان نظامًا فاشلًا، ولو لم تقم الحرب الأهلية الأمريكية لانهار وحده فلا تصدقه. ومن قال لك: إن السبب الرئيس لتلك الحرب هو «إنهاء العبودية» فلا تضيع وقتك معه عبثًا. وإذا رأيت الغرب يجلس بكبرياء وهيبة معتادة على قمة العالم اعلم إن تحته جبل من جثث العبيد التي دفنت معها ملايين القصص التي لا يتحمل قلبك سماع واحدة منها خشية من تعرضه لذبحة صدرية حادة.

بعد قراءة هذا الكتاب ستشعر بما شعرتُ به أنا، ستتراجع مشاعرك الطيبة وتشعر أنها اختفت تمامًا لأن ثمة مشاعر سلبية ستتقدم عليها وتأخذ مكانها فتجد نفسك تشعر بالغضب والانتقام والكراهية والعداوة في نفس الوقت وتتمنى أن يعود الزمن للوراء لأكثر من خمسة قرون مضت؛ لتقتل كريستوفر كولومبس قبل أن يكتشف العالم الجديد.. معسكر العبيد.. مشنقة الثورات السمراء التي لم تحنِ رأسها يومًا لأسياد وكان لسان حالها يقول:

يا أخوتي الذين يعبرون في الميدان في انحناء

معلق أنا على مشانق الصباح

وجبهتي ــ بالموت ــ محنية

لأنني لم أحنها.. حية!

لا تخجلوا.. ولترفعوا عيونكم إليّ

لربَّما.. إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ

يبتسم الفناء داخلي.. لإنكم رفعتم رأسكم.. مرة!

فالانحناء مُرَّ..

فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق

وإن يسألوكم مرّة عن دمي الشهيد

فقلوا لهم: قد مات.. ولم يتعلم الركوع!

والظمأ الناريّ في الضلوع!

«والعام عام جوع»

يا قيصر الصقيع!

فربَّما يأتي الربيع..

ربَّما يأتي الربيع..

ربَّما يأتي «ربيع جديد»!

عذرًا سبارتكوس، لقد تعلمتُ من كلماتك الأخيرة كلمات العزة والكرامة ولم أتعلم كلمات الخنوع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد