كثيرون هم عشاق السينما الذين شاهدوا فيلم الوردة السوداء أحد أشهر الأفلام الأمريكية المنتجة في خمسينات القرن الماضي، بيد أن قليلين من يعرفون حقيقة إحدى تفاصيله الصادمة والبشعة التي مرت في مشاهده دون أن ينتبه إليها من شاهدوا هذا الفيلم على مر عقود من الزمن.
أنتج هذا الفيلم كعمل أمريكي – بريطاني مشترك سنة 1950 وهو من أفلام المغامرة، عن قصة مؤلفها طوماس كوسطايند تدور أحداثها في القرن الثالث عشر في أوروبا والصين عن شخص يتم حرمانه من الميراث، فيترك إنجلترا مع صديق له مهنته هي رمي السهام حيث يتجهان معًا نحو الشرق الأقصى، من مشاهد هذا الفيلم ما تم تصويرها في المغرب وهي مربط الفرس.
فيلم الوردة السوداء الذي استمتع بمشاهدته الملايين يخفي بين مشاهده ولقطاته طمسا لحقيقة مريعة وبشعة وصادمة، تجعل منه أبشع إنتاج سينمائي على الإطلاق في تاريخ سينما هوليود الأمريكية، بل يعطي دليلًا على حقيقة صناعة السينما في أمريكا التي تبتغي الربح والشهرة، ولو على حساب الأشلاء والجثث، وهذا ما يوثق له الفيلم بالصورة وبالواضح والملموس، بمشهد جريمة إعدام مقاومين مغربيين شنقا وإظهارهما معلقين على جذع شجرة شامخة منتصبة في جبال الأطلس بالمغرب.
المغرب الذي كان محتلًا من فرنسا في تلك الفترة كان يخضع للسلطة الفرنسية، وكان هناك ماجور فرنسي متعطش لدماء المغاربة المقاومين للاحتلال يدعى لويس موران كان عاشقًا ومعجبًا بالسينما الأمريكية، خصوصًا نجم هوليود حينها الممثل الأمريكي أورسون ويلز وكهدية من الماجور الفرنسي لنجمه، ولمخرج الفيلم هنري هاثواي، قام الحاكم الفرنسي (لويس مورين) بإعدام اثنين من المقاومين المغاربة شنقًا على الشجر كي يظهروا في أحد مشاهد الفيلم عوض استخدام الدمى، وحتى يكون المشهد أكثر واقعية.
ما يعزز فضيحة الإجرام الوحشي البشع في هذا الفيلم هو أن نسخته الأصلية التي صدرت في سبتمبر (أيلول) 1950 كانت مدتها 121 دقيقة بيد أن 30 ثانيةً حذفت منها في محاولة لطمس معالم اللقطة التي تظهر فيها الجثث الحقيقية للمقاومين المغاربة ومحاولة فبركتها وتعديلها لدفن جريمة بشعة لم يحاكم من اقترفها، ولا اعتذر من تورط فيها، خصوصًا أن اللقطة الأصلية ما زالت موجودة واللقطة المفبركة المعدلة من السهل ملاحظة عدم تناسقها مع مشاهد الفيلم.
وإذا كانت فرنسا وأمريكا تدعيان زعامة العالم الإنساني المتحضر فان فيلم الوردة السوداء الذي لازال في أرشيف هوليوود يفضح حقيقة الغرب الذي طالما استعمل السينما والإعلام للدعاية لقيمه الكاذبة والزائفة وصورة البطل الأمريكي في السينما الذي يقاتل من اجل الخير والسلام ليست سوى محاولات للضحك على ذقون البسطاء الذين يتأثرون بالمؤثرات الموسيقية والتصويرية الرهيبة التي تملكها هوليوود والتي يفضحها واقع الحروب والمآسي التي تسببت فيها القوة العسكرية لأمريكا وفرنسا واحتلالهما للبلدان العربية.
وإذا كانت الدولة المغربية ومؤسساتها الثقافية والفنية سكتت على ما اقترفه منتجو وصانعو هذا الفيلم من إجرام في حق المقاومين المغاربة فإن الغيورين على الفن وحقيقته الإنسانية الجميلة تبقى على عاتقهم مسؤولية الانتصار لأرواح الأبرياء والانتصار لقيم الإنسانية ولقيم الفن الأصلية.
إن ما كان يجب أن يحذف ليس تلك اللقطة التي تضمنت جثث المقاومين المغاربة معلقة في شجرة في الفيلم الأمريكي، بل إن فيلم الوردة السوداء يجب أن يحذف من قائمة أعمال هوليود السينمائية؛ لأنه ليس ابتداعًا فنيًا بالمفهوم الإنساني للكلمة، بل امتهانًا للكرامة البشرية وعارًا يلاحق هوليود الأمريكية مند خمسينات القرن الماضي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد