منذ الصبا وجيلنا معاصر ومهموم بالقضية الفلسطينية، ربما بسبب ارتباطها الوثيق بكل ما خاضته مصر من حروب، وما رافقها من عمليات شحن وتعبئة معنوية ومادية للحرب ضد إسرائيل المحتلة لفلسطين وسيناء. وكان التليفزيون المصري والسينما يعرضان بكثرة أفلامًا عن الفدائيين والمقاومة، وأعمالهما البطولية، ومدى أهمية القضية الفلسطينية للعرب.

لكن حدثًا واحدًا كنت أقف أمامه كثيرًا في هذه الفترة، أيلول (سبتمبر) الأسود، المجزرة التي وقعت للفلسطينيين في الأردن. ولم أستطع استيعاب أو فهم كيف يمكن أن ينزلق أحد إلى هذا القاع، من استباحة دم الشقيق المضطهد والمطرود من دياره، واللائذ بحمى جاره وأخيه في الدين والدم والعروبة؟

كنت كلما ذكرت الواقعة أمامي أو تذكرتها في نفسي؛ أصب اللعنات على الملك حسين ونظامه. لكن مع الوقت والتقدم في العمر، وتوفر المعرفة بحقيقة الأحداث وخلفياتها، بدأت تثور في ذهني تساؤلات تهز ما بداخلي. هل من حق الضيف أن يؤذي مضيفه ويجر عليه العداوات والحروب؟ هل من حق الضيف أن يحاول الاستيلاء على بيت المضيف وينصب نفسه حاكمًا لأهله رغم أنوفهم؟ وإلى أي مدى يمكن أن يتسع الصبر والصدر لاحتمال أذى الضيف؟

جانب من الفهم يبدأ بمعرفة مشكلة الميليشيات والجماعات المسلحة، والأجنحة العسكرية للتنظيمات والكيانات المختلفة، أيًّا كان مسماها؛ وهي الركون الدائم للحل العسكري والعنيف. فمع التدريب والتسليح المستمر تنمو عقيدة قوية لدى هؤلاء بأن لا شيء يستعصي على الحل بالقوة. وتتحول القوة إلى غطرسة ومحاولات لفرض الرأي واضطهاد المعارضة، ويصبح من كان جزءًا من منظومة متكاملة؛ وحشًا يبتلع كامل تلك المنظومة. ويتحول قادة تلك الميليشيات من مجرد أفراد جرى تأهيلهم وتسليحهم بأموال شعوبهم؛ إلى متحكمين وموجهين لسياسات منظماتهم الأم بالقوة والإرهاب، ويكون شعبهم أول من يدفع ثمن قوتهم.

ويوفر واقع الفلسطينيين قبيل أحداث سبتمبر الأسود عام 1970، مثالًا ثرًّيا على هذا التحول. في ذلك الوقت كانت القوى العربية قد بدأت تبحث عن حل للمشكلة الفلسطينية يجنبها المواجهات والحروب، بعد أن اكتشفت ضخامة اللعبة، واشتراك القوى العظمى في الصراع، وتحكمهم في أطرافه لصالح أهدافهم الاستراتيجية، وجزء من حروبهم بالوكالة، أو الحرب الباردة. وفي الوقت الذي وافقت فيه القيادات العربية والفلسطينية السياسية على القبول بمبدأ الحل الوسط، كانت ميليشيات الصاعقة التابعة لمنظمة فتح وميليشيات المنظمات الأخرى، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية، تحث الخطى نحو المواجهة المسلحة، رغم عدم قدرتها عليها.

لكن تعقيدات الحرب كانت أكبر من مجرد الاشتباك مع العدو، فالفصائل الفلسطينية بمعسكراتها، ومقرات قيادتها، ومخيمات اللاجئين، ومعظم الشعب الفلسطيني المهجر والمطرود من أرضه؛ يعيشون على أراضي دول الجوار العربي. والاشتباك مع إسرائيل يعني أن تقع تلك الدول في مواجهة مباشرة مع القوات الإسرائيلية، المدعومة دعمًا كاملًا من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها داخل المنطقة وخارجها.

الأردن كان له تعقيداته الخاصة، فمن جهة هو يقع ضمن فلسطين التاريخية، ومن ناحية أخرى حدوده ملاصقة سكانيًّا للأراضي المحتلة، بل يقتسم خط الحدود العائلات والأرض الواحدة على امتداد قرون من التاريخ، وأهل الأردن ذاتهم تقاسموا الأصل والهوية مع سكان الضفة الفلسطينية، ويمثل الفلسطينيون وذوو الأصول الفلسطينية ثلثي سكان الأردن. كان كل ما يجري في فلسطين ينعكس مباشرة على الأردن، وأي مواجهة ضد إسرائيل يدفع الأردنيون ثمنها فورًا.

وفي عام 1968 وقعت معركة الكرامة، واشترك الجيش الأردني مع المقاتلين الفلسطينيين في صد الهجوم الإسرائيلي على بلدة الكرامة الأردنية، وكان أول مذاق لانتصار ولو ضئيل بعد المرارة الكبيرة التي خلفتها حرب 67. وبالطبع مع الفرحة العربية انهال الدعم على المقاتلين الفلسطينيين في الأردن، ونمت قوة المنظمات الفلسطينية. لكن لم يمر سوى أقل من عامين حتى بدأ هؤلاء بالاحتكاك علنًا بالجيش الأردني والمطالبة بإزاحة الملك حسين. ويزيد الطين بلة بطرح جورج حبش نفسه بديلًا للملك حسين، وعرفات، كان مندفعًا بعقيدته الماركسية المناوئة للرجعية الملكية «التي استقبلتهم على أرضها»، ومستعدًا ومهيئًا تمامًا للحرب ضد الجيش الأردني الشقيق.

بدأت عوارض تشكيل دولة داخل الدولة في الظهور، وبدأ تجاهل اللوائح والقوانين الأردنية، وأصبحت الدولة المضيفة عاجزة عن السيطرة على أراضيها وأجزاء من عاصمتها. وكانت النتيجة الحتمية هي المواجهة مع الجيش الأردني الذي يدين بالولاء التام للملك، وفي ظل تأييد معظم الشعب الأردني الذي تعرض للمضايقات من جانب المسلحين الفلسطينيين، الذين كانوا يجوبون الشوارع بسلاحهم، ويقيمون نقاط التفتيش والمصادرة حيث أرادوا.

كان الملك حسين يخشى التدخل العراقي والسوري لصالح المنظمات المدعومة منهما. وحزبا البعث السوري والعراقي يشعلان الموقف الأردني لحسابات سياسية فقط، وهم على مسافة آمنة، ولم يحاول أحد في المنظمات العسكرية الفلسطينية أن يسأل نفسه، لم لا تبدأ تلك الدول بنفسها وتدخل الحرب أو تفتح سوريا جبهتها لهم؟

وفي يونيو (حزيران) 1970 وقع الملك اتفاقًا مع عرفات تعهد فيه بدعم منظمة التحرير وعدم التدخل في هجماتها على إسرائيل، مقابل أن يلتزم عرفات باحترام سيادة الأردن، وسحب المسلحين الفلسطينيين من العاصمة عمان. لكن الاتفاق لم يستطع النجاة؛ وازداد التحرش الميليشياوي بالجيش الأردني.

كان تأييد الملك حسين لجمال عبد الناصر في قراره بقبول وقف إطلاق النار في حرب الاستنزاف؛ سببًا مباشرًا في التهجم عليه من قبل جورج حبش ومنظمات جبهة الرفض، التي تشكلت ضد موقف مصر بالقبول بمبادرة روجرز. وتعرض حسين لثلاث محاولات اغتيال نجا منها، وتزايدت الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة في عمان، ثم وقعت حادثة اختطاف منظمة حبش لخمس طائرات مدنية والهبوط ببعضها في الأردن، وبالطبع حاصر الجيش الأردني الطائرات وتبرأ الملك منهم. ورغم أن عرفات سعى حثيثًا لإطلاق سراح الرهائن ونجح بذلك، فإن شبح الحرب كان يرخي سدوله ويخيم على البلاد.

وفي 9 يونيو 1970، كما يذكر هنري لورنس في المجلد السابع لكتابه «مسألة فلسطين»، يصرح حبش لمجلة لايف الأمريكية أنه يريد حربًا من النوع الفيتنامي، ليس فقط على أرض فلسطين، ولكن في كل العالم العربي. وأن أصدقاءه الوحيدين هم البلدان الاشتراكية وخصوصًا الصين الشعبية. كان حبش يلعب بلا مواربة بورقة إشعال الحرب الأهلية.

ويتنازل الملك حسين أكثر، ويعرض على عرفات تولي منصب رئيس الوزراء، ويعطيه حرية تسمية من يشاء كوزراء في حكومة الأردن، ويرفض عرفات. وتوزع المنظمات السلاح في المخيمات الفلسطينية في تصرف ينم عن التهور الشديد، ويصفه أحد المتخصصين السوفييت في صحيفة البرافدا السوفيتية الرسمية، بأنه «سلوك مغامر وغير مسئول، ويدفع الأمور إلى الأسوأ». كان هدف حبش ورفاقه هو تجييش الشعب الفلسطيني، وهو ما جعل الشعب المسكين يعلق في وسط حرب لا قبل له بها.

تشتعل الحرب ويقتل فيها -في حوالي 10 أيام- 15 ألف فلسطيني ما بين مسلح ومدني أعزل، وسويت بلدات ومخيمات فلسطينية بالأرض، وتشرد للمرة الثانية ما بين 50 إلى 100 ألف شخص وأصبحوا بلا مأوى. ثم وقع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الأشقاء، وخرج عرفات ومنظمة التحرير والمسلحون إلى لبنان، وللمرة الثانية أقاموا دولة داخل الدولة، وتسببوا في اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت لعقود ولم تهدأ، حتى طُردت المنظمة للمرة الثانية من بين أشقائها، بعد تدخل إسرائيل وحلفائها هذه المرة، وقتل الآلاف في صبرا وشاتيلا من النساء والأطفال والعجائز.

كان الفلسطينيون في سعة كبيرة بالأردن، وامتيازات وقدرات لم تتكرر بعدها. لكنهم فشلوا في الحفاظ على وحدتهم، وانقسموا إلى منظمات وتنظيمات وألوية كثيرة كغثاء السيل، سرعان ما سقطت وتحطمت. الأمر ليس انتصارًا للملك حسين، ولا انتقامًا من منظمة التحرير، أو أي من المنظمات الفلسطينية التي شاركت في صناعة الحدث، بل هي محاولة لقراءة تنشد الإنصاف، والتعلم من أحداث تاريخية أثرت تأثيرًا كبيرًا على القضية الفلسطينية، وأشعلت حروًبا أخرى، وساهمت في زيادة تشريد ومعاناة الفلسطينيين وخسارتهم لداعمين ومناصرين لقضيتهم.

واليوم بعد كل هذه السنوات والتضحيات، أصبحت قضية فلسطين هامشًا لا يلتفت إليه الكثيرون في قلب بلاد العرب، وترفًا فكريًّا يقبع في أوساط قليلة فقط. وماتت المنظمات التي كانت ملء السمع والبصر، وتحول ما تبقى إلى عجائز لا تقوى على الحركة، وتعيش على ذكريات من زمن فات ولن يعود. فهل استوعب أحد الدرس؟ أتمنى ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد