الاستبداد وتحقير الإنسان

إن دولة الاستبداد أشبه ما تكون بالغابة، يحكم فيها القوي، ولا مكان للضعيف بها؛ وما أشبه واقعنا بتلك الغابة القبيحة.

فقد وصل إلى الحكم النظام الحالي على أجساد الآلاف من الإخوان المسلمين، بين شهيد وجريح في مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة، ليبدأ في إرساء قواعد نظامه الاستبدادي على أجساد الضعاف من الشعب، مستغلًا حالة الجهل ووضعهم المادي في جذبهم إليه بكيلو سكر أو بضعة جنيهات؛ فما إن تحقق له ذلك حتى بدأ في محاولة السيطرة على الواقع وإفساد الخيال.

بدأ طفيل الاستبداد النمو على جسد الأديان بمباركة الشيوخ والقساوسه؛ فشيخ الأزهر أحمد الطيب أفتى بجواز الخروج على الحاكم – رغم أن الشخص نفسه حرم الخروج على الحاكم في ثورة 25 يناير ووصفها بالفتنة- كما طالب المصريين بالنزول لمنح وزير الدفاع التفويض الذي طلبه، كما حدد ميعاد حوار يشمل جميع الأطراف للخروج من الأزمة، وفي التوقيت نفسه حدثت مجزرة فض اعتصامي رابعة والنهضة.

وسار على دربه في التأييد والتناقض علي جمعة – مفتي الديار المصرية والذي وصف ثورة يناير بالفتنة، ويجب على المتظاهرين عدم الخروج على شرعية الرئيس الذي مكث في الحكم 30 عامًا، وأن الأغلبية مع الرئيس- ليصف الإخوان بالخوارج، وأن الرئيس محمد مرسي سقطت شرعيته، كما أفتى بجواز قتل الإخوان.

ولم يختلف دور الكنيسة أيضًا – فقد دعمت حسني مبارك أثناء ثورة يناير- فقد أعلن تواضروس الثاني تأييده للانقلاب العسكري واعتبر الانقلاب كنصر أكتوبر، وتبعه عبد المسيح بسيط الذي صرح بأن مصر لن تحكم إلا برئيس عسكري، ودعا سيرجيوس سيرجيوس إلى النزول وتفويض وزير الدفاع، ونائب الكنيسة الكاثوليكية الذي عمل على تحسين صورة الانقلاب في العالم.

لينمو الاستبداد ويصبح وحشًا لا يبحث عن الدعم من المؤسسات الدينية، ولكنه يفرضه على الجميع، فقد وصل إلى القوة التي تمكنه من استخدام أدواته، من بطش، وقمع، وترهيب، وبث للخوف في نفوس الشعب، ونشر الفساد، وتنكيل بالمعارضين حتى تخطى عدد الاعتقالات حاجز ال40  ألف شخص، وارتفعت حالات الاختفاء القسري إلى ما يقرب من ألفي شخص، أما من بقى خارج أسوار السجن فقد تولى النظام مسئولية تحطيمه ماديًّا ونفسيًّا، فقد وصل معدل الفقر إلى 32.5% بمعدل شخص من كل ثلاثة أفراد، ولم يقتصر على الحالة الاقتصادية فقط؛ بل وصلت إلى حد تعامل الدولة مع روح الشخص بتسفيه وتحقير، وتصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الحصول على الفوائد أهم من تطوير السكك الحديدية، لنستيقظ على انفجار في محطة مصر راح ضحيته 20 شخصًا وإصابة أكثر من 40 آخرين، ونرى كمسري يأمر شابين بالقفز من القطار وهو يتحرك لعدم امتلاكهم حق التذكرة. وإهمال الصحة فحلت مصر في المرتبة 104، والتعليم في المرتبة 110، وتعامل الرئيس باستخفاف مع ملف سد النهضة وصلت إلى مطالبة رئيس وزراء إثيوبيا بترديد قسم باللغة العربية التي لا يجيدها بأنه لن يضر مصالح مصر المائية، والتطبيع مع إسرائيل وصرف المليارات على بناء القصور الرئاسية، ومشروعات دون عائد اقتصادي. جميعها أسباب أدت إلى ارتفاع نسبة الاكتئاب إلى 30% وارتفاع حالات الانتحار إلى مايقرب من 4 آلاف حالة كل عام.

كيف لشخص يتغذى الإهمال والفساد على جسده أن يشعر بقيمة لحياته! إن تحدث فهو سجين أو قتيل، وإن سار في الشارع صامتًا فهو قتيل، وإن وصل إلى وسيلة مواصلات فهو قتيل – إما على الأسفلت في حادثة أو انفجار في إحدى محطات القطار- حتى إذا نجا من كل ذلك ووصل إلى وجهته، فسيجد كمًا من الفساد والكآبة تدفعه إلى الانتحار – لا هو يلقي بالًا لحياته، ولا الدولة تهتم ببقائه أو رحيله- فتلك الحالة التي نعاني منها الآن من انتشار ظاهرة الانتحار ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة كل تلك الظروف السيئة التي لا تصلح للعيش؛ وكما قال الشاعر «إن دام هذا ولم يحدث له غير … لم يبك ميت ولم يفرح بمولود”».

دولة الاستبداد عبارة عن مستنقع كبير من الجهل والظلم، والفساد، والخوف، والإهمال، تحارب الجمال وتدعو للقبح وتشجع عليه، وتسعى لفرض سيطرتها على الخيال كما فعلت مع الواقع؛ لنقاتل من أجل أن يبقى الخيال جميلًا نقيًّا من شوائب الاستبداد فهو مصدر قوتنا وآخر منابع الجمال التي نملكها، وسلاحنا ضد الاستبداد وقبحه، فمهما بلغت قوته وطالت مدته فهو إلى زوال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد