(1)
أخبرني بالله عليك كيف يمكنني اللعب بالحروف بعد رحيل السيدة راء؟ بل كيف أكتب عنها والأبجدية تقف حزينة عصية بعد غيابها فلا هي تُكتب ولا تُقرأ، أحتاج لفترة من الوقت كي أستوعب رحيل رضوى، فترة كي أزيل الشريط الأسود من فوق مشاهد متتالية لمحادثات كتابية وتليفونية ولقاء في منزلها، مشهد حضن متبادل بينها وبين طفلي ولعبه بلعبة تميم! أحتاج فترة كافية لتوديع “خديجة” و”سوسن” و”مريمة” و”رقية” وابتلاع كلمات العزاء الموجهة لشخص مثلي وتخطي صورة مريد وتميم بجوار النعش، وأحتاج لفترة أطول كي أتوقف عن البكاء.

“وأنا أقرأ لك أتخيلك وأنت تكتب، أرى وجهك، جلستك، حركة يديك، مكتبك… فأشتاق أكثر!” .
– رضوى عاشور، الطنطورية

(2)
أراه في آخر أفلامه فأتعجب كيف يحوم شبح الموت حول فريسته فيحولها لشكل ثابت هكذا، كان نحيفًا أكثر من اللازم وواهنًا وضعيفًا، لم يكن خالد صالح الذي جسد جبروت حاتم ودهاء عمر حرب ورومانسية إبراهيم، الفنان الذي أثبت عبر سنوات معدودة أن الموهبة الحقيقة تلمع ولو بعد حين، نفض عن كاهله كل هذا تمامًا كما فعل والدي وأصبحا متشابهين في الشكل تشابهًا يثير العجب، هل مخالب المرض هي التي تصيبهما بشيخوخة فجائية غير مبالية بأعمارهما الحقيقية فتوحد هيئتهما هكذا، أم سحابة الموت؟

“هذه النجوم في السماء هي أرواح أحبابنا الذين ذهبوا، نارها عذاب الفراق ونورها شوق الوصل والتلاقي”.
– رضوى عاشور، سراج

(3)
لعلك على علم بأن الانتحار جريمة قتل كاملة متكاملة يا زينب، بل لعلها أقسى من جرائم القتل العادية، فحبل المشنقة الذي لمستيه بيدك الرقيقة بدايته في يد القاتل الحقيقي ونهايته حول رقبتك، يقرأون الخبر ثم ينظرون باهتمام لعينيك المبتسمتين للكاميرا، ثم يقولون بمنتهى الثقة إنك كافرة، أي حماقة تلك؟ رأيت وجهك البشوش يطل وسط كم من التعليقات الحقيرة يضحك ويقول: عرفتوا بقى أنا انتحرت ليه؟

“الحزن قوة جاذبة تشد لأسفل، تسحب الرأس والكتفين إلى تحت، كأن الجسم في حزنه يُمسي واهنًا خفيفًا؛ فتستقوي الجاذبية عليه وتستشرس” .
– رضوى عاشور، فرج

 

(4)
تهم 2014 بالرحيل مخلفة وراءها هتاف “مصر الجديدة قادرة” وفي الخلفية أخبار متتالية عن انتحار مدير إنتاج بمصنع معادن عبر إلقاء نفسه من الدور السابع في مدينة السلام، وسائق ألقى بنفسه أيضًا من الدور السابع بمدينة بدر، وانتحار عامل بمسجد في قرية القليوبية شنقًا في منزله وصورتان، إحداهما يطل منها “رزق فرج رزق جاد الله”، التقطت له في طريق مصر الإسماعيلية الزراعي يتدلى من حبل ثُبت بإحكام حول أحد قوائم لوحة إعلانية ضخمة، والأخرى لرسالة ممزقة قرب شاطئ جزيرة صقلية لشاب بحث عن الحياة في الهجرة فعثر عليه الموت: أنا كنت عاوز أفضل معك، إوعي تنسيني، بحبك قوي، نفسي ما تنسي، سلام يا حبيبتي.

 

“تبدو المصائب كبيرة تقبض الروح ثم يأتي ما هو أعتى وأشد فيصغر ما بدا كبيرًا وينكمش متقلصًا في زاوية من القلب والحشا”.
– رضوى عاشور، ثلاثية غرناطة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد