الفيلم الفائز بأوسكار أفضل تصوير وأفضل مؤثرات خاصة لعام 2018

فيلم خيال علمي أمريكي جديد (2017) من إخراج الكندي دينيس فيلينوف (صاحب تحفة الوصول)، وكتابة هامبتون فانشر ومايكل جرين، يعتبر بمثابة تكملة لفيلم ريدلي سكوت القديم اللافت بنفس العنوان 1982، وهو من بطولة كل من ريان غوسلينغ، وهاريسون فورد (بدور ريك ديكارد)، مع آنادي  أرماس، سيلفيا هوكس، روبن رايت، ماكنزي دافيس، كارلا جوري، ليني جيمس، ديف باوتستا وجاريد ليتو في الأدوار الداعمة: تم التصوير الرئيس في بودابست المجر، وقد صور بطريقة «الثلاثة دي-آي ماكس» الحديثة، وتلقى الشريط إشادات نقدية كبيرة كواحد من أعظم الثيمات السينمائية «الخيال-علمية» على مر العصور.

في العام 2049 تم دمج البشر المستنسخين بيولوجيا مع المجتمع، وإن كانوا لا يزالون يواجهون تمييزًا واضطهادًا من البشر العاديين، واحد منهم، وهو البطل يدعى «كيه» (عداء النصل الممثل غوسلينغ) يعمل لمؤسسة خاصة تدعى «لابد»، ويقوم بصيد المستنسخين القدماء والتخلص منهم.. ويعيش حاليًا مع رفيقته الجميلة «الهولوجرافيكية المجسمة» (الممثلة آنادي أرماس)، والتي تدعى جوي* وترافقه دومًا كظله في شقته، ويتحكم بها بواسطة «ريموت كونترول» خاص (فكرة مذهلة من الخيال العلمي الممكن تحقيقه).

يقوده التحقيق الخاص بخفايا حركة تحرير المستنسخين، يقوده للوصول الى مزرعة نائية، يعمل فيها المتقاعد «سابر مورتون»، حيث يلاحظ كيه أن هذا الأخير يطبخ الدود كغذاء معتمد له، ويدخل في عراك محتدم مع هذا الأخير ليتفادى غدره ومبادرته العدوانية بعد أن يكتشف أنه من قدماء المستنسخين، ثم يلاحظ وجود زهرة صفراء أسفل شجرة قديمة في المزرعة، كما يجد رفات بشرية مغطاة بخرقة قديمة، حيث يكشف تحليل الطب الشرعي لاحقًا أنه من بقايا ولادة قيصرية عاجلة، كما يكتشف رقمًا تسلسليًا (ربما تاريخ ميلاد) محفورًا أدنى الشجرة، ويتم التحقق لاحقًا من أن هذه الرفات تعزى لأنثى مستنسخة ولدت بشكل قيصري عاجل، فيما كان يعتقد استحالة ذلك!  

يؤمر كيه بتدمير كل الأدلة المتعلقة بالقضية وإتلاف رفات الطفل، حيث يعتقد الملازم جوشي أن امتلاك هذه المعرفة خطير وغير محبذ، لكن كيه يستاء من فكرة إقصاء شخص ما، وهو يتمتع بروح إنسانية، ويقوم بزيارة مركز الاستنساخ الرئيس لمقابلة الرئيس التنفيذي نياندر والاس الذي يبدو كشخص أعمى، حيث يتعرف هذا الأخير على الرفات بأنها لطفلة تدعى راشيل. ويخبره عن علاقة جنسية غير مشروعة أقامها عداء النصل السابق ريك ديكارد، الذي اختفت آثاره، معتقدًا أن إعادة إنتاج المستنسخين يمكن أن يعزز إنتاجية مصنعه مرة ثانية، ولكنه يعجز عن تحقيق ذلك بنفسه.. لذا يوعز للموظفة المسؤولة لوف لسرقة بقايا رفات راشيل من مركز لابد الرئيس ولتعقب حركات كيه.

يعود كيه لمزرعة مورتون، ليجد تاريخًا منحوتًا مخفيًا يتطابق مع ذاكرة طفولته المتعلقة بدمية لحصان خشبي صغير.. والتي يجدها بعد البحث في ميتم أطفال كبير (حليقي الرؤوس)؛ مما يشير لحقيقة ذكرياته الذي كان يعتقد بأنها مركبة ومزروعة، وأثناء بحثه عن سجلات الولادة في الميتم المذكور لتلك السنة، يكتشف شيئًا غريبًا يرتبط بوجود توأمين (ذكر وأنثى) ولدا بنفس العام، مع وجود تطابق في الحامض النووي (الجيني الكروسومي)، ويكتشف بأن الولد هو من بقي فقط على قيد الحياة!

تخبر مصممة الذاكرة د. أنا ستيلين كيه بأنه من غير القانوني والمسموح به برمجة عقل المستنسخين مع ذاكرة بشرية حقيقية؛ مما يقود كيه للاستنتاج بأنه ربما كان ابن راشيل الحقيقي.. ولكن فشله في فحص السلوكية المستنسخة، يقود المديرة جوشي لاستبداله، عندئذ يشرح لها بأنه قد أنجز مهمته، ويتم منحه 48 ساعة لإنجاز مهمته الجديدة.

لكن كيه يبقى مصرًا على تحليل الحصان الخشبي المكتشف، وبطريقة ما يجد بقايا إشعاعية، تقوده تلقائيًا لمكب النفايات الكبير على أطراف لوس أنجلوس؛ ليجد بالصدفة منزلًا مهجورًا فاخرًا مطلًا على المكب، يقيم فيه ديكارد مع كلبه الغريب، وبعد عراك محتد بينهما، يكشف له ديكارد بأنه اضطر للتخلص من السجلات الطبية بغرض التملص من ملاحقيه والهروب والاختفاء، كما يوضح له بأنه كان مضطرًا لترك راشيل الحامل على أمل قيام حركة المستنسخين الأحرار بحمايتها لاحقًا.. وقبل أن يستطرد بكشف المزيد من الأسرار، تهاجم لوف ورجالها المسلحين  بالطائرات الفضائية بغتة، وتسقط على المنزل المتفجرات، لينجوان بأعجوبة، ثم لتختطف ديكارد، ولتقوم بتدمير الدمية الآدمية جوي الهولوغرافية المحببة لجو (الاسم المحبب لكيه)، ولتحطم كذلك الريموت كونترول الخاص بها، تاركة كيه في حالة بائسة كمحبط ومجروح، لكن حركة المستنسخين الأحرار تبادر لاحقًا لإنقاذه، وتخبره قائدتها فريسا (الممثلة الفلسطينية هيام عباس في دور قصير لافت)، بأن وليدة راشيل كانت أنثى؛ مما يعني ضمنيًا أن كيه لا يمكن أن يكون هو الطفل المرتقب كما كان يعتقد خاطئًا، وتحث فريسا كيه (الخائب الظن واليائس) لمنع والاس من كشف أسرار النسخ المتماثل للمتحولين بأي وسيلة ممكنة، ولو اضطر لقتل ديكارد نفسه!

المشاهد الأخيرة

أخيرًا في لوس أنجلوس يتم إحضار ديكارد من قبل المدير التنفيذي القاسي والاس، والذي يكشف له بأن مشاعر راشيل بشأنه كانت مبرمجة بقصد من قبل صانعها د. الدون تيرل، وذلك لاختبار إمكانية حدوث الحمل لدى المستنسخين، ولكن ديكارد المصدوم يرفض مساعدة والاس ويلتزم الصمت، وحتى عندما يحاول والاس مفاجأته بإحضار نسخة جديدة من راشيل، حيث يكتشف بسرعة أنها مزيفة لاختلاف لون عيونها (ليس أزرق)، عندئذ يأمر والاس مساعدته الشرسة لوف بأخذ ديكارد خارجًا وتعذيبه بشدة للحصول على المعلومات اللازمة المطلوبة، ولكن كيه يعترض فجأة سيارة لوف الطائرة قبل أن يدخل معها في عراك ضار ويقتلها غرقًا (في مشاهد أكشن بالغة الإتقان وحابسة للأنفاس)، وينجح بتزييف موت ديكارد بغرض حمايته من شر والاس واتباعه، ويقوده خفية لموقع إقامة ستيلاين ابنته، مشجعًا إياه على مقابلة ابنته المعزولة في حديقة نباتية مغطاة لأسباب تتعلق بمعاناتها الجينية من الحساسية وفقدان المناعة، ويدخل ديكارد بحذر لملاقاة ابنته واسترجاع الذكريات، فيما يستلقي كيه ببطء على الدرج، بعد أن تلقى جروحًا نازفة قاتلة (إثر عراكه الضاري مع لوف)، ثم يستلقي لامسًا ومحدقًا في الثلج المتساقط ببطء ولافظًا أنفاسه الأخيرة في مشهد حزين مؤثر لا ينسى. تكمن المفارقة التي ربما غابت عن ذهن المنتج والمخرج بتغييب البليد رانر الجديد الشاب بالموت فيما بقي البليدرانر العجوز (القديم) على قيد الحياة؛ مما سيصعب ربما إصدار نسخة جديدة من هذا الخيال العلمي الفريد مع انكشاف الأسرار ووضوح المسار.

انطباعات نقدية

اتفق معظم النقاد على أن هذا الفيلم مذهل بصريًا ومرض سردًيا، وأنه طرح معمق وشامل للقصة السابقة التي أخرجها ريدلي سكوت في العام 1982، ولاقت في حينه استحسانًا كبيرًا، كما أجمع النقاد على اعتباره إنجازًا رائعًا في الصناعة السينمائية.

فبعد 35 عامًا من أحداث الفيلم الأول يكشف عداء النصل الجديد كيه (الممثل ريان غوسلينغ في أداء رائع).. يكشف السر الغامض المدفون طويلًا، والقادر على إغراق ما تبقى من المجتمع في حالة من الفوضى العارمة.. ثم يقوده بحثه لاكتشاف العجوز المتواري عن الأنظار روك ديكارد (الممثل المخضرم هاريسون فورد)، وهو عداء النصل السابق، الذي اختفى منذ 30 عامًا.

إنه بالتأكيد يخلق الحنين لأمكنة جذابة تنطبع في الذاكرة في مستقبل (ديستوبي) قاتم.

في عالم مليء بالإعادات السينمائية، يبدو هذا الشريط قويًا ومؤثرًا ومهندسًا جيدًا، مع كم كبير من الأحاسيس؛ مما يعطيه بجدارة سمة الأصالة، وكأنه الإصدار الأول الحقيقي، بل يكاد يتفوق على الجزء الأول، وربما أكثر جمالًا وسحرًا مع تجربة الآي ماكس التي تفوقت على تجربة دونكيرك بصريًا مع تنوع طبيعة المشاهد، وجعلتنا نستمتع بعمل بطيء ومتعمد وعجيب، يحتاج للتركيز الشديد، وبعيد عن نمط الأكشن التجاري الدارج، يحوم في متاهة خيالية – سيريالية تأخذ الألباب وتنسل إلى الأحاسيس خلسة دون أن تشعر.

قد يكون واحدًا من أعمق وأجمل الأفلام الفلسفية عمقًا وطرحًا والمدمج بذكاء مع خيال علمي آخاذ وجاذب.

وبصراحة فأنت إذا لم تتذوق البعد الفني لعداء النصل 2049، فقد لا تكون إنسانًا مرهفًا متمتعًا بثقافة سينمائية رفيعة!

عمل فني شاق، متميز بصريًا ورائع إخراجيًا مع تصميم إنتاج مذهل، مع تقمص رائع لريان غوسلينغ، مع الأداء العبقري للنجم الأصلي هاريسون فورد الذي قدم ربما هنا أفضل أداء في حياته المهنية، وقد نجح المخرج فيلينوف بدفعه لأقصى قدراته التمثيلية متجاوزًا ربما ريدلي سكوت في الفيلم القديم (1982)، وحتى لو كان طويلًا نسبيًا (ساعتين و44 دقيقة)، فأنت كمشاهد منغمس لا تشعر بالملل، كما لا توجد مشاهد مجانية ضائعة ومشتتة، بل هناك تماسك انسيابي في السيناريو المدروس بعناية.

والخلاصة أنه بمثابة قطعة سينمائية هائلة وملحمية من الخيال العلمي الفريد، القادر على جذب الجمهور بالتشويق والترفيه والارتقاء بذائقته السينمائية، ويكاد يتجاوز بمراحل بعض أفلام المهرجانات التي تسمى بالنخبوية، وضعيفة الإخراج والسيناريو والحبكة والحوار، والتي تملأ الدنيا ضجيجًا وقرقعة ودعاية، وقد ينال بعضها الجوائز ولا نعرف لماذا؟

(ولم يخب رجاء مدير التصوير روجر ديكنز ففاز بأوسكار أفضل تصوير عن «بلايد رانر 2049» بعد 13 محاولة فاشلة سابقة لاستحواذ هذا التقدير)!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد