عام 2014 إبان سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» على مساحات واسعة من العراق. كنت في طريقي عائدًا إلى بغداد بعد مهمة استقصائية صحافية قضيتها في الرمادي غرب العراق، حينها كانت منقسمة إلى الأجزاء الجنوبية والجنوبية الغربية تقبع تحت سلطة التنظيم بشكل كامل والمناطق الشمالية والشمالية الشرقية كان يسكنها أهلها ومهاجرون، وتؤمنها قوات مكافحة الإرهاب والجيش وفصائل من الحشد العشائري الشعبي والشرطة المحلية.

عمومًا استقللت سيارة أجرة من جراج ثانوي آنذاك متوجهًا إلى بغداد، ركبها معي ثلاثة أشخاص، للوهلة الأولى تعرف أنهم منتسبون لقوات الأمن نظرًا لاختفاء لحاهم تمامًا، وشعرهم الخفيف. دفع كل منا 40 ألف ذلك بسبب الطريق الخطر والطويل وتشعباته الفرعية، إلا أن هذا ليس مهمًا، المهم ما علاقته بجهل التعامل مع كورونا اليوم، أو تجاهل الخطورة من بعض الناس والذين يملكون أسبابًا أصعب وأعمق، فيها من الخطورة البالغة، خصوصًا أن مسامعنا هذه الأيام يطرقها التهجم والتهكم بالجهل وغياب الوعي متهمًا الطبقات المعدمة والمسحوقة.

أثناء الطريق المحفوف بالمخاطر، وخصوصًا أن ثلاثة عناصر من قوات الأمن معي، أي أننا لقمة سائغة لعناصر «داعش»، حاولت أن أخفف التوتر وألغي المخاوف داخلي وداخلهم، وبطبيعتي الصحافية التي تزعج المحيطين أحيانًا كثيرة، بدأت طرح الأسئلة على رفقاء السفرة، قبل ذلك استدرجت الجميع لأحصل على ثقتهم من أجل الإجابة، إذ إن أسباب المخاوف واضحة ومعروفة، كنت أجلس من جهة النافذة خلف السائق، ويجاورني جندي في القوات العراقية الخاصة، والآخر عند النافذة الأخرى، متطوع في الحشد الشعبي. سألت من إلى جانبي عن طبيعة المعارك، وشراسة العدو، وإستراتيجية هجومه، ونوع أسلحته، وطرق تموضعه، وتمسكه بالأرض، وحركات تقدمه، وغيرها من الأمور العسكرية، سألته متغابيًا كي لا يتحسس من الإجابة بشكل نقي وواضح عن أسئلتي تلك.

أجاب مجتبى – ما زلت أذكر اسمه إلى الآن – عن كل الأسئلة ببعثرة، إلا أن ما لفت انتباهي أمر معين، قال مجتبى: إننا نعيش مرحلة تقهقر، والعدو شرس، وأسلحته متطورة، وأضاف: هم جاءوا ليموتوا، ونحن جئنا لنعيش، الموت بالجملة، نخرج إلى المعركة بـ10 عجلات همر، كل عجلة فيها أربعة إلى خمسة جنود، ومن كل تلك القوة تعود أربع عجلات، فلكة الفرسان فيها جثث لجنود استشهدوا، لا أحد يستطيع الوصول إليها، تنهش بها الكلاب – فلكة الفرسان مكان معروف في مدينة الرمادي – هناك «داعش» يفجرون علينا أسطوانات أوكسجين وc4، من يعود سالمًا فأمه قد دعت له.

بعد أن أنهى مجتبى إجابته سألته: «شنو موازيكم ليش متعوفون هالشغلة، إذا تعرفون مراح تسوون شيء وتشكون أكو تواطؤ» – ذكر لي مجتبى أن أمورًا كثيرة تحدث سببها تواطؤ قيادات عليا في الدولة مع تنظيم «داعش» – هز رأسه، وهمّ ليتحدث، إلا أن متطوع الحشد إلى جانبه انطلق متحدثًا، وقال: «تعرف باليوم اللي أصدرت المرجعية فتوى الجهاد الكفائي، وفتحت الحكومة التطوع، بالناصرية يمنة؟ طلبوا 3 آلاف متطوع، تعرف كم واحد نام الليل بالشارع إلى باب المعسكر حتى يطوعون، 16 ألف واحد كلهم سجلوا أسماءهم حتى يروحون لهذا الموت اللي ديحجي عليه أخوية – يقصد مجتبى – ويشاركون بالحشد»، ويكمل قائلًا: «برأيك ليش الناس دتروح عالموت برجليها لأن متنا من الجوع، كلنا متنا من الجوع نريد لكمة ناكلها، شنو خمس زلم ابيت واحد، وكلهم عطالة بطالة يدورون على شغل يسد جوعهم ماكو، وتريدهم ميروحون للموت، عالاقل ينطونا راتب وإذا متنا ينطون لأهلنا راتب شهداء ورانا».

كان هذا كلامًا قاسيًا يظهر الحال المأسوي الذي وصل إليه الناس في العراق، الحال الذي يظهر الجهل وعدم المبالاة بالموت، وخلال مدة جائحة كورونا الفائتة وما زالت، أضحى عدد كبير من الكتاب، والمثقفين، والأطباء، والمسؤولين يكتبون وينادون بمنشورات وخطابات ولقاءات متلفزة بالجهل وقلة الوعي لدى كثير من فئات المجتمع في مختلف المحافظات والمناطق. إلا أن غالبيتهم لم يشخصوا المشكلة الحقيقية الممثلة في الجوع، ونفاد المؤن والغذاء والدواء عند هؤلاء الناس، أو بالأساس أنهم لا يملكونها، لا الحكومة أوجدت لهم الحل، ولا أصحاب الأموال، والأغنياء أنجدوهم في مصيبتهم لكي يستكينوا في بيوتهم تجنبًا من الموت، وإن كانوا قد شخصوها فلم يوجدوا لها الحل.

من يرضى بالجهل! هذه نتيجة حتمية لأسباب منتشرة، لا أركز على تزايد المصابين ولا على جائحة كورونا، إن عمقًا آخر جاثم، قضية الفقر والجوع الذي يضرب الناس مع كل نازلة، الأغنياء بخلاء في غالبهم والجمعيات والحملات الأغاثية تكون وقت الحدث إما باحثة عن شهرة وسمعة، أو تكون هبة شابة حماسية وفورة سرعان ما تهدأ وتسكن، وعمق الجهل ما كان إلا نتيجة التجهيل الممارس من السلطة ومنظومة الدولة، إضافة إلى أنانية الطبقات المثقفة، وأصحاب الشأن بتغييب جرعات التعليم والتثقيف اللازمة التي يفترض أن تمنح للطبقات المتدنية حتى يزدادوا وعيًا ومعرفة بها يمكنهم التعامل مع مثل أزمة كورونا وغيرها في قادم الأيام.

إن جائحة كورونا وإن طالت فلن تبقى وإنما يبقى الجهل والفقر، وإن علاجكم أيها الكتاب جميعكم لا يغني ولا يسمن جوع بطون هؤلاء الافراد المساكين ولا يحيل جهلهم نورًا، إذ إن لسان حال أحدهم يقول: لا تلوموني ولوموا أنفسكم، إنكم في ضلال عظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انفسكم, لوموا
عرض التعليقات
تحميل المزيد