انعقاد جمعية عمومية طارئة لنقابة الأطباء، مظاهرات في الدرب الأحمر تحاصر قسم الشرطة ومديرية الأمن، وأمثالها من العناوين التي أصبحت حاضرة بشدة في الصحافة المصرية فكيف كان تعامل الثوار معاها؟

الجمعية العمومية للأطباء كانت عملا إعلاميا ناجحا بامتياز حتى الآن, استطاع من خلاله الأطباء أن يكسبوا تعاطف واحترام الكل داخليا وخارجيا وسلطوا الضوء على دولة “حاتم” التي صارت تحكم مصر علنا بعد أن حكمتها سنوات من خلف الستار.

فبروز دولة أمناء الشرطة إلى الواجهة بما تحتويه من تدني في المستوى التعليمي أنتج خطابا ركيكا فاشلا لم ينل احترام أحد بالإضافة للمشاعر السلبية التي تنتاب المصريين فور سماعهم للفظ أمين شرطة فالتجارب التي مر بها أغلب المصريين كانت كفيلة بدعم الأطباء شعبيا.

فالصراع هنا بين أطباء في قمة الهرم التعليمي الاعتيادي وبين أمناء شرطة خارج حدود هرم التعليم أصلا، الصراع بين طبيب تلجأ له وأنت تشعر بالمعاناة, وتتركه وقد خفت معاناتك تدريجيا وبين أمين شرطة تكون المعاناة أن تلقاه في الشارع, فهو إما مرتشيا أو فارضا إتاوة أو متحرشا، الصراع كان محسوما أخلاقيا, فهناك ظالم معروف تم تصوير فساده واستغلال سلطته بكاميرات المراقبة وآخر تم انتهاك آدميته علانية, أيضا هناك معتد ومعتدى عليه واضحَين للعيان بكل ملابسات وشواهد الاعتداء, فكل الجدليات في هذه الواقعة محسومة.

ولكن كان التأنيب والتبكيت من الثوار, عن مئات الأطباء الذين تم اعتقالهم بطريقة أكثر همجية من قبل نفس الخصوم الحإلىين, بل وصلت الوحشية إلى قتل وتصفية بعضهم ولم يكن لنقابتهم أي رد فعل حيال الظلم الواقع على أعضائها بل إنها تم اتهامها بتقنين الظلم والترويج لمشروعيته واستغلاله في تصفية حسابات تخص التنافس على إدارة النقابة.

وفات الثوار أن المعتقلين سياسيا والشهداء من الأطباء لم يتعرضوا لهذا الاضطهاد لكونهم أطباء, بل لكونهم لهم آراء سياسية تتعارض مع السلطة القمعية الحاكمة, ولم يكن يغني عنهم كونهم أي شيء آخر غير الأطباء, فالمستهدف في حالتهم من السلطة كان معارضيها وليس الأطباء ، على عكس واقعة المطرية التي كانت وظيفتهم كأطباء هي السبب الرئيسي في الإعتداء عليهم، وبذلك استطاعوا أن يتجنبوا غوغائية الإعلام السياسية, وباتت قضيتهم عصية على سحقها تحت العنوان الجاهز والتهمة المعلبة “الأخونة”.

ومما عزز فرصهم كون مجلس إدارة النقابة بل والأطباء المعتدى عليهم أنفسهم من مؤيدي الحكم العسكري, ولاستنادها على حادث موثق صوتا وصورة وشهودا, جعلها أفضل حظا وحالا من حملة الماجيستير والدكتوراة, الذين تم الاعتداء عليهم وسحلهم في الشارع والقبض على بعضهم, وبالرغم من أنهم هم الأعلى تعليما على الإطلاق، ويعتبرون في أي دولة في العالم لا تحكم عسكريا هم ثروة قومية, لا يمكن التفريط فيها ويتم عمل دراسات عديدة عن كيفية استغلالها, ويتم صرف نسبة كبيرة من ميزانية الدول عليهم, وبالرغم أيضا من عدالة مطالبهم, إلا أن عدم وجود الحادث المفجر وعدم وجود رموز إعلامية لهم جعل قضيتهم تذهب طي النسيان وتفقد الزخم الإعلامي  المستحق لها.

أما عن سائق الدرب الأحمر الذي  قتل على يد رقيب شرطة “شاويش” بالمصطلح الدارج, ولكن تم تداولها إعلاميا على أنه أمين شرطة!! هل لأن أمين الشرطة هو الأشهر بين فئة الخارجين عن القانون بين منتسبي الشرطة؟ أم أن هناك توجها إعلاميا مدفوعا من أحد أذرع السلطة لتقليص سطوة هذه الفئة التي طغت على الضباط أنفسهم في بغيها وسلطتها؟ أم أن هناك جهة أرادت تحجيم الشرطة على العموم؟ كلها أسئلة مطروحة تدور في فلك الانقلاب نفسه, وبعيدة كل البعد عن مناهضيه وتأثيرهم.

ولكي تضمن أذرع الانقلاب سيطرتها على الأمر، فقد تم تسريب خبر قتل الجاني في نفس سياق خبر الجريمة ذاتها, ليتم امتصاص غضب الناس وترويضه, وجعله على القدر المطلوب, فلا يزيد فتحدث ثورة جديدة ولا يقل فينعدم أثره المرجو، وبهذه الطريقة من الشائعات المهدئة التي تم استخدامها عشرات المرات منذ الانقلاب, استطاعت الجهة الموجهة لإشعال الحدث الإعلامي أن تمتص حماس الجماهير تدريجيا, إلى أن وصل في النهاية إلى الصورة التي تم التقاطها لأهل الضحية مع مدير الأمن, مع الاحتفاظ بالجريمة الإعلامية لاستغلالها وقت الحاجة.

وبالرغم من النتيجة المعلومة من انفضاض المحتجين بدون مكسب لحظي يذكر, لكن تكرار هذه الأحداث هو استعادة تدريجية للجرأة في مواجهة مؤسسات الدولة, برغم التخطيط الجيد من سلطات الانقلاب, إلا أن تكرار هذه الأحداث قد تكون نتائجها غير متوقعة, وتؤدي إلى إسقاط هذا النظام بطريقة أشبه بانهيار سد مائي يتبعه طوفان كاسح, يهدم النظام تماما مستفيدا من أخطاء ثورة 25 يناير.

وخرج أيضا هذه المرة بعض الثوار بخطاب سلبي ساذج تبكيتي لائم لأهل الضحية, لأنهم كانوا من “أعوان الظالمين” على حد تعبيرهم فكم هاجموا الثوار واعتدوا على مسيراتهم, وكان أهل القتيل أنفسهم من مؤيدي السيسي ومنتخبيه كما صرحوا بذلك, والبعض الآخر من الثوار عول على هذه الاحتجاجات بأن تهدم النظام, ويكون أيقونة للثورة على غرار خالد سعيد.

وبالطبع فكلا وجهتي النظر بعيدتان كل البعد عن الواقع والمصلحة العامة, فالجماهير الهادرة الغاضبة تكون هبتها عشوائية وغير منظمة, وتشبه إلى حد كبير فورة اللبن على النار، فيتلاشى فورانه بأسرع ما يمكن مع هدوء النار تحته مباشرة.

فكانت الأصوات التي نادت من الثوار بدعم هذه الاحتجاجات فورا، دعما لوجيستيا وإعلاميا والنزول إلى الميادين للمطالبة بحقوقهم, نفسها هي الأصوات المسيطرة على مشهد الثورة منذ الانقلاب, والتي قادتهم إلى الصدام المباشر مع مؤسسات الدولة المسلحة, صداما صريحا تحت رايات أخلاقية واضحة, والتي استطاعت أن تفوز على مدار سنوات الانقلاب بكامل الاحترام وتقدير الذات وراحة الضمير، ولكنها لم تحقق أي تقدم أو حتى انتصار معنوي يقوض سلطات الانقلاب, بل إن الخسائر في الأرواح والأموال والحريات وخسارة الحلفاء هي كل ما جنته نتيجة هذا الاتجاه.

وكانت هناك أصوات خفيضة على استحياء, رافضة للانقلاب وأيضا رافضة لمواجهته, كانت تدعو لأن ينسحب كل مؤيدي الشرعية من المشهد في 30-6, ويحافظوا على حياتهم وحريتهم وممتلكاتهم وكينوناتهم, ويتركوا أذرع الانقلاب تنتشي بالنصر, وسرعان ما سيختلفون على الغنائم ويُري بعضهم بأس بعض، ويسقطون الدولة العميقة بأنفسهم إلى غير رجعة, عادت هذه الأصوات مرة أخرى تنادي بضرورة اتخاذ موقف مشابه لموقف الدولة العميقة من ثورة 25 يناير، فيختفون عن الأنظار, بل يزايد بعضهم على الانقلابيين, ويدفعهم إلى السكر بانقلابهم, حتى يتأكدوا أنهم لم يعد هناك من يعارضهم, فيبدأون بالأخطاء القاتلة, ولا مانع من مشاركة المحتجين في نقابة الأطباء أو الدرب الأحمر في احتجاجاتهم دون إظهار أي منحى سياسي في الأمر, حتى يستعيد الشعب وعيه, وتتسع رقعة الاحتجاجات, ويُسقط الشعب دولة العسكر بدون أن يشعر بأن هناك من يدفعه لذلك.

أيا كانت وجهة نظرك فإن وجهة النظر الأولى قد أخذت نصيبها من التطبيق لأكثر من عامين ونصف, وحان لها أن تتنحى جانبا لنجرب طرقا جديدة بقيادات جديدة.
_______________________________________________________________________________________________

  • كلمة ثوار تعني مناهضي الانقلاب فقد ثبت للجميع أنهم هم الثوار الحقيقيون على الظلم في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد