طالما عانينا نحن الشعوب العربية منذ الصِغَر من عملية التلقين في جميع مجالات حياتنا، أن يُطلب منّا ما الذي نفعله وما الذي نقوله، ما المسموح لنا بفعله وغير المسموح لنا، أن نفعل دائمًا ما يريده غيرنا لا ما نريده نحن، ولم يقف الحدّ إلى هنا بل تعدى الأمر إلى أن نطبّق الأمور بحذافيرها كما هي مطلوبة من دون ترك أي مجالٍ للإبداع ومن دون ترك المجال لشخصياتنا لتعبّر عن رأيها وعن لمستها التي لولا تنوعها لما خلقنا الله مختلفين يتميز بعضنا عن بعض.
ولدنا ونحن نمشي على هذا المنهاج، نربّي أبناءنا على القمع الفكريّ قبل أن يبدأ المجتمعُ بصقلِ شخصياتهم، نُنشئهم في منازلنا ونضعهم في دائرة حمايتنا، نرسلهم إلى المدارس ليتعلموا ويصبحوا أصحاب شأنٍ في المستقبل ولكن كنا غافلين على أننا نصنع جيلًا مطموس الهوية والشخصية، يتعلّم التلقين والتقليد لا الإبداع والابتكار، يتعلّم الكسل وينتظر كل شيءٍ أن يأتي إليه في إطارٍ جاهز، فظهر لنا جيلٌ غير مهتم بالسعي خلف اكتشاف ذاته الحقيقة بل طمسنا بأيدينا جيلًا كان بإمكانه أن يكون مخترع اليوم.

لو بحثنا عن المشكلة الحقيقية سنجد أنها ليست ببعيدة عنّا وأنّ جذورها قد نبتت معنا منذ الصغر، بقيت ملاصقة لنا حتى قتلت حِس الإبداع فينا في عمرٍ قد يكون هو الأهم في حياتنا، أصابتنا في سهم طفولتنا وفي أكثر الأماكن التي كنّا نتعلّم ونتربى بها، فكان جذر المشكلة يتأصل في مدارسنا التي ظنَّ أهلنا وظننا أنها منارتنا وهدانا الذي سيهدينا إلى طريق العلم الصحيح ولكنها كانت أداة ناسخة تُخرِج نسخًا بشرية، ذات ألوانٍ بيضاء وسوداء مستهلكة ومستنزفة.
إن تعمقنا في الأمر قليلًا سنجد أن طريقة التعليم التي عاشها أهلنا وعشناها نحن تحتوي على الكثير من المشاكل، طريقة التعليم التي تندرج تحت مصطلح «التعليم التقليدي» والتي يتضح من اسمها أنها أصبحت طريقة قديمة وقد حان الوقت ونحن في هذا القرن أن نتخلى عنها ونبحث عن بدائل أقل كلفة وأفضل جودة وعائد أكبر على الفرد وعلى المجتمع. نظرًا لهذه المتطلبات كان لا بد من إيجاد حل بديل للتعليم التقليدي في الوطن العربي، فجاء Blended Learning أو ما يعرف بـ«التعلّم المدمج» كحل بديل وفعّال على المعلّم والمتعلم.

التعلّم المدمج Blended Learning هو طريقة تعليمية حديثة تسعى إلى دمج الإنترنت وما يحتويه من مقاطع ومواقع تعليمية في عملية التعليم؛ من أجل الاستفادة العظمى من الإيجابيات العديدة التي وفرها الإنترنت من خلال دمج التعلّم الإلكتروني بالتعليم الصفي، فبهذا يشعر الطالب بأن مصادر المعلومة شاملة وواسعة وليست مقتصرة فقط على مصدر واحد.

قد نشعر بالغرابة عند سماع هذا المصطلح الجديد بسبب عدم تطبيقه الواسع في بلداننا العربية، ونظن أنّ فوائده قليلة ولكن فوائد التعلّم المدمج عديدة ومتنوعة:
فقد ساهم التعلّم المدمج الطالب على استخدام الإنترنت بالطريقة الصحيحة والمُثلى، وأرشدته إلى أفضل المواقع التعليمية التي ستوفر المادة المدرّسة بسهولة بين يديه. كما أن التعلّم المدمج لعب دورًا مهمًا في توفير الوقت والجهد والمال، فقد أصبحت الواجبات المطلوبة تتوفر على الموقع الإلكتروني التعليمي فبإمكان الطالب قراءة تفاصيل الواجب وفهمه فهمًا دقيقًا وتسليمه بطريقة إلكترونية خلال فترة موضحة، كما أن المساق التعليمي يكون متوفرًا بصيغة PDF فلا حاجة إلى صرف المال على الكتب والورقية، وبالتالي نكون قد وفرنا استهلاك الأوراق التي قد تتلف وتضيع في أي وقت.
والتعلّم المدمج لم يشمل فئة واحدة من الطلاب بل فوائده تنوعت وتعددت لتشمل الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يشكلون فئة مهمة جدًا من المجتمع، فقد أصبح بإمكان الطالب المكفوف بمساعدة القارئ الخاص به حلّ واجباته بنفسه دون الحاجة إلى البحث عمّن يساعده والذي كثيرًا ما يواجه الصعوبات من أجل إيجاد أشخاص يقدمون يد العون.

من أوائل البلدان العربية التي سعت إلى تطبيق هذا النموذج الجديد من التعليم هي المملكة الأردنية الهاشمية، والجامعة الأردنية من أوائل الجامعات التي تسعى بشكل دائم لتحسين وتطوير هذه العملية.
كوني طالبة في هذه الجامعة وقد خضت هذه التجربة الإيجابية في قسم اللغة الإسبانية بجهود الدكتور القدير «محمد ريان»، الذي يعد من أوائل الساعين بشكل مستمر لتطوير وتحسين هذه المنظومة، تحت عنوان «مصلحة الطالب أولًا وأخيرًا»، والذي سعى إلى صنع فيديو بمساعدة عدد من طلابه يشرح فيه فكرة التعلّم المدمج.

دائمًا ما أُشبّه فكرة ظهور التعلّم المدمج بفكرة ظهور الإنترنت؛ ففي بداية ظهور الإنترنت قد لاقى رفضًا وعدم قبول من فئة كبيرة من الناس ولكن بالقليل من الوقت وبالتجربة الصحيحة التي عادت على الفرد بالإيجابية قد تقبّله المجتمع العربي وكذلك التعلّم المدمج، فكل فكرة جديدة تلقى الاستغراب في بداياتها ولكن بعد تجاوزها الصعوبات، تلمع في النور وتصل إلى يديّ العديد من الناس.
كفانا وقوفًا في أماكننا من دون أي حراك ومن دون أي تحسين، حان الوقت لننهض بأنفسنا وبمجتمعاتنا وبطلابنا لنرقى وننافس الدول الأوروبية، فجامعاتنا ومدارسنا تضم الكثير من المواهب التي دُفنت بسبب التعلّم التقليدي.
ما الذي ننتظره، لنطبّق التعلّم المدمج؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد