ليست المرة الأولى التي تحدث فيها عملية اغتيال لكلب في شوارعنا، بالأخص المناطق العشوائية منها حيث تهيم الحيوانات بحثـًا عن أقواتها في فضلات قوم قوتهم من فضلات الحكام وساكني القصور.

العرف السائد في شوارعنا أن الكلب يقتل لأسباب ثلاث، إما عضه لأحد أفراد الشارع خاصة من الأطفال ويعتبر حينها تهديدًا لأبناء الشارع، كما يقتل إذا حنت جوارحه إلى طبيعته البرية فتناول وجبة دسمة من الطيور المنزلية فوق أسطح أحد منازل الشارع ويعتبر حينها تهديدًا لثروة أهل المنطقة ورأس مالهم، والثالثة يقتل نيابة عن صاحبه إذا استخدمه في الاعتداء على فرد آخر في شجار بينهم ويعتبر قتله في هذه الحالة أخذًا للثأر أو من قبيل فداء صاحبه كعادة ذبح الخروف مع تقديم الكفن في الصعيد.

شاهدت فيديو قتل الكلب وآذاني كما آذى كل من شاهد الفيديو وعلق عليه وتحدث عنه، ولكن بعد أن توقفت عن المشاهدة وانفردت بأفكاري حول المسببات الحقيقية للغضب الذي شعرت به وقطعـًا شعر به غيري مع تفاوت الدرجات.

إذا كان غضبنا نابع من نزعة النفور تجاه فكرة القتل وسلب حياة كائن أكثر ضعفـًا، فلماذا نحب قتل حيوانات أكثر وداعة ولطفـًا ونحتفل بها في مناسبات عدة، هل الفكرة في أن قتل الحيوان لم يكن بدافع تحويله إلى غذاء للبشر، هل نسمح لأنفسنا بقتل الحيوانات إذا ما كانت في وفاتها مصلحة مباشرة لنا، خاصة مع مظلة دينية تتحدث عن تسخير الطبيعة في خدمة الإنسان بأي شكل تقتضيه مصالحه، وإذا كان السبب هو حقنا في الاقتيات بها فهناك شعوب لا تحرم أديانها وعرفها ذبح الكلاب والتغذي عليها.

ربما يكون تعذيب الكلب ثم قتله والرواية الدرامية لدفاعه عن صديقه قبل الحادثة ثم خيانة صديقه له من أهم أسباب تزايد نبرة الغضب وانتشار القصة بهذا الشكل، ولكن تبقى الحوادث المشابهة تحدث أمام أعيننا في شجارات المناطق الشعبية بنفس الأسلحة البيضاء ويراق فيها دماء شباب علمهم المجتمع أن القسوة وحدها تجلب الحق .

لم تكن حادثة ذبح الواحد والعشرين مصريًّا على يد تنظيم الدولة في ليبيا هي الأولى من نوعها، بل سبقتها حوادث قتل عديدة لمصريين هناك كما سبقتها حوادث شبه يومية لقتل جنود من الجيش المصري على يد التنظيم نفسه بسيناء، ولكنها كانت الأكثر تأثيرًا في الرأي العام وبالتالي كان رد فعل الدولة عليها هو الأكبر نسبة لباقي الحوادث المشابهة.

لو لم يتم تصوير حادثة قتل الكلب في الفيديو الشهير لما اهتم أحد لرواية قتله والقبض على قاتليه، ولو لم تصنع الدولة الإسلامية الفيلم المذاع لذبح المصريين لما تحركت الدولة وأرسلت طائراتها الحربية لقصف درنة، لولا التقاط عدسات الكاميرات لحظة قتل شيماء الصباغ من ضابط الداخلية لما حدثت الضجة الإعلامية لمقتلها، وبدون صورة خالد سعيد في المشرحة ربما ما قامت الثورة.

قتل 20شاب مصري أمام الاستاد قبل دخولهم مباراة لكرة القدم بيد شرطة تأمين المباراة، وتم نقل جزء من الأحداث بصور ومشاهد فيديو وتنوعت التفسيرات والتأويلات، كما اختلفت درجة التعاطف أيضًا.

في نفس يوم حادثة الكلب ظهر فيديو أخر لمجندي الداخلية يعتدون بالضرب على سيدات يقفن في طابور بأنابيب البوتاجاز، وقتل فردين أحدهما محامي من التعذيب بحجز قسم المطرية ربما تعرضا لأسوأ مما تعرض له الكلب في فيديو شارع الأهرام.

تختلف درجة التعاطف والتحرك الجماهيري والدولتي وفقـًا لانتشار الحادثة بالحكي أو المشاهدة، كما تختلف بحسب نوع المقتول والقاتل، وتختلف بشكل أكبر مع درجة المصلحة المباشرة للمتعاطفين.

فإذا كان الجاني مواطنـًا من غير ذوي النفوذ والسلطة أو من أعداء النظام تتسابق الجماهير إلى سبه وقذفه ويغذي الإعلام الحادثة فيصنع منها حديث الساعة، تنبري الأقلام وتتعالى الأصوات مطالبة للدولة بالتدخل وإنقاذ الموقف، ثم التمجيد والتفخيم لتحرك المسئولين.

أما إذا كان الجاني هو ذراع الدولة الأمنية تتوافر التبريرات ويكون الحذر من التعاطف ويغطي الإعلام على الحادثة أو يشوه المجني عليهم.

نقدر التعاطف تمامًا مع جميع المخلوقات ولكن ليكن تعاطفنا نابعـًا من قلب محب للحياة ومن نفس تكره الظلم وتأبى الهوان، ولكن أن يكون التعاطف حالة تصنعها الدولة أو تروج لها فهو منعطف خطير آخر يتخذه الإعلام في تعبئة الرأي العام.

ذهب بعض الموتورين في تعليقاتهم على الحادثة أن الحيوانات في بلادنا أفضل حالاً من البشر المعارضين للدولة لتعاطف الرأي العام معهم، ولكنهم تناسوا أننا وإن كنا والحيوانات في الاضطهاد سواء، فإن الطغاة في بلادنا والداعمين والمبررين لهم أدنى منزلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد