“المساواة العمياء ليست عدالة على الإطلاق”٬إذن ما هي المساواة؟وما هي العدالة؟ ومتى تتحقق العدالة التي ترغب فيها كل الشعوب٬ والتي يعجز عن تحقيقها معظم الحكام والملوك؟

العدالة كلمة نستخدمها في حياتنا اليومية بصورة بديهية سريعة٬ فالعدالة محور أساسي في الأخلاق وفي الحقوق وفي الفلسفة الاجتماعية وكذلك في الاقتصاد.

والعدل صفة من صفات الله سبحانه وتعالى حيث قال في كتابه العزيز﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ﴾سورة الحديد: الآية 25،وقوله تعالى ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ سورة النحل: الآية 90.

ولكن هل العدالة أن نجعل الأفراد سواسية في كل شيء؟ هل العدالة أن يرتدي المواطنون جمعيهم نفس الثياب؟ هل العدالة أن يجلس جميع الأفراد على نفس المقعد؟ هل العدالة أن يحصل كل الناس على نفس الدخل؟ هل العدالة أن يمتلك كل الأفراد نفس كمية الثروة؟… أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة.

البعض يظن خطأًأن العدالة هي المساواة العمياء بين المواطنين في كل شيء، ولكن الحقيقة أن هذه المساواة العمياء ما هي إلا أفظع شكل من أشكال الظلم وعدم العدالة.

فليس من العدالة في شيءأن يحصل جميع العمال في مصنع ما على أجر يساوي 1500 جنيه٬ رغم أن أحدهم يعمل بإنتاجية حدية مرتفعة لمدة 7 ساعات٬ وآخر يعمل بإنتاجية حدية متوسطة لمدة 5 ساعات٬ وآخر مهمل في عمله وإنتاجيته الحدية تقترب من الصفر. كل هذا لا يمت للعدالة بأي صلة.

فالعدالة لها تعريفات كثيرة ومتعددة٬ وخاصة أن تعريفاتها تختلف باختلاف المنظور إليها. فهي تشمل أمورًا متعددة منها العدالة فيتوزيع الدخل أو الصحة أو التعليم…

البعض يعرف العدالة الاجتماعية على أنها”هي العدل في المجتمع٬بمعنى ﺇعطاء كل مواطن حقه في المجتمع٬ وتوزيع الموارد والفرص على المواطنين بالعدل٬ وتوفير الاحتياجات الأساسية لكل المواطنين. بالإضافة إلي المساواة في الفرص مثل فرص العمل والتعيين والترقي في الوظائف”.

وأنا أفضل التركيز في هذاالمقال على العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل وذلك لأهميتها ولأن الأمور الأخرى التي سبق ذكرها تعتمد على عدالة توزيع الدخل بصفة أساسية.

المشكلة في مسألة قياس الدخل هي عدم دقة ومصداقية البيانات المتاحة في مصر. والسبب هو عدم رغبة الأفراد في الإفصاح الصادق عن مستويات دخولهم الحقيقية أو حتى الأنماط الاستهلاكية الخاصة بهم تخوفًا من فرض ضرائب عليهم في حالة الأغنياء إذا أفصحوا عن مستوى دخلهم المرتفع٬ ورغبة في الحصول على دعم عيني أو نقديفي حالة الفقراء الذين يفضلون دائمًا أن يظلوا في خانة الفقراء لاستمرار حصولهم على الدعم حتى وإن ارتفعت مستويات دخولهم الحقيقية.

لكن بالنظر إلى ما أفصح الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إن متوسط صافي الأجر الشهري لموظفي الحكومة يبلغ 7 آلاف و400 جنيه. وهي مفاجأة رقمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى٬خاصة وأن معظم العاملين بالقطاع الحكومي يؤكدونأن مستويات دخولهم منخفضة جدًّا عن هذا المتوسط وربما ذلك لأننا نستخدم الأرقام بشكل خاطئ وخاصة في حساب المتوسطات حيث نطلق الأرقام هكذا هباء بلا تدبر. وﺇليكم المثال الآتي لتوضيح فكرتي٬ فلنفترض أن لدينا مجتمعًا مكونًا من خمسة أفراد ودخولهم هكذا بالجنيه المصري.

1.200
1.500
1.000
15.000
20.000
1.100
950

 

 

إذا قمنا بحساب متوسط هذه الدخول نجدها تساوي تقريبًا 5.821 جنيهًا رغم أننا لو تأملنا البيانات جيدًا سوف نجد أغلب الدخول تتراوح مابين 1000 جنيه إلى 1500 ولكن وجود مستوى الدخل 20000 ومستوى الدخل 15000 – واللذان يعتبران بيانات شاذة متطرفة عن باقي البيانات- أدى إلى ما حدث حيث تقدير المتوسط بطريقة مبالغ فيها.

ولكنﺇذا أردنا معرفة متوسط الدخل بصورة أكثر واقعية فيجب علينا حذف هذه البيانات الشاذة ومن ثم نحسب المتوسط لباقي مستويات الدخول فنجد المتوسط يساوي 1150 جنيهًا٬وهو أكثر تعبيرًا عن مستويات الدخول باستثناء الدخول المرتفعة الشاذة. وبالتالي فلابد من التعامل مع الأرقام والإحصائيات بحذر شديد لأنها كثيرًا ما تستخدم للتضليل وﺇعطاء صورة مثالية للمجتمع ولا تعبر عن الواقع مطلقًا.

المشاركة في العملية الإنتاجية:

هناك قضية أخرى شديدة الأهمية يجب طرحها وربطها بما سبق،وهي قضية المشاركة في العملية الإنتاجية. فالسؤال الذي يطرح نفسه هو “من هم المشاركين في العملية الإنتاجية ويقومون بتوليد دخولًا لكي يحصلوا عليها؟ربما تجد شخصًا فقيرًا جدًّا ومستوى دخله منخفض جدًّا فلا يكفي لتوفير احتياجاته الأساسية أو توفير حياة كريمة له هو وأسرته، ولكن ﺇذا سألته كم ساعة تعملها في اليوم؟! وما هي إنتاجيتك الحدية في الساعة؟! ربما لا يستطيع الإجابة.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية حيث إن نسبة المشاركين في العملية الإنتاجية هم نسبة قليلة ولذلك فهي نتيجة طبيعية أن يكون مستوى الدخل الذي يحصلون عليه منخفضًا. وهذا لا يعني أبدًا أنه هناك عدالة في توزيع الدخل في مصر٬ وﺇنما ما أقصده أن نسبة المشاركين في العملية الإنتاجية لها تأثير كبير على عدالة توزيع الدخول. كذلك كيفية توزيع الدخل بين عناصر الإنتاج التي ساهمت في العملية الإنتاجية أمر هام٬ حيث يجب أن تتم هذه العملية بعدالة،خاصة وأن لدينا مشكلة كبيرة في استحواذ أصحاب رأس المال على معظم عوائد المشروع في حين أن أصحاب العمل والأرض والتنظيم يحصلون على نسبة قليلة من هذه العوائد.

وبالتالي فالقضية لها محوران: المحور الأول هو من هم المساهمين في العملية الإنتاجية؟ والمحور الثاني هو كيفية توزيع الدخل بين هؤلاء المساهمين في العملية الإنتاجية؟ وهذا بغض النظر عن هؤلاء الذين لم يشاركوا في العملية الإنتاجية فهم يتم التعامل معهم عن طريق التحويلات بأشكالها المختلفة.

ﺇعادة توزيع الدخل بين أفراد المجتمع ليست حلًّا كافيًا:

كثيرًا ما نرى حلولًا كثيرة لمشكلة عدم العدالة في توزيع الدخل منها وضع حد أدنى للأجور أو وضع حد أقصى للأجور ناهيك عن الحلول الخاصة بالسياسات المالية لإعادة توزيع الدخول بين الأفراد مثل الضريبة والدعم٬ أو التحويلات بين القطاعات المختلفة خاصة القطاع العائلي.

وأنا لا أنكر مطلقًا أهمية هذه الحلول ولكن رأيي المتواضع أن المسألة أبسط من ذلك ويمكن حلها عن طريق الأخذ بأبسط قواعد الاقتصاد دون أي تعقيدات من خلال ربط الأجر المدفوع بالإنتاجية الحدية للعامل أو الموظف بدون حد أدنى أو حد أقصى للأجور٬ ثم نراقب أثر ذلك على الاقتصاد وعلى توزيع الدخول٬ وحينما نجد وقتها أن بعض الأفراد مازالت مستويات دخولهم أقل مما يجب لتوفير حياة كريمة لهم سوف نلجأ إلى الدعم لهذه الأسر الفقيرة دون التفكير في حد أدنى للأجور لأنه ليس من الرشادة الاقتصادية مطلقًا أن يحصل أي عامل على أجر دون إنتاجية حدية مساوية على الأقل لهذا الأجر.

أما قضية الحد الأقصى للأجور فهي نفس ذات القضية٬ فلماذ نلجأ إلى حد أقصى مثلًا 50 ألف جنيه في حين أن هناك عاملًا أو موظفًا يحقق ﺇنتاجية أو ربح بأكثر من ذلك وبالتالي فهو يستحق هذا الأجر المرتفع.

ربط الأجر بالإنتاجية هو الحل الأمثل خاصة وأن العامل أو الموظف سوف يكون لديه الدافع الحقيقي لزيادة إنتاجيته الحدية لأنه في المقابل سوف يزداد دخله بمقدار ﺇنتاجيته٬ وأعتقد أن هذه هي العدالة في توزيع الدخل بدون الحاجة ﺇلى ترديد شعارات المساواة العمياء والأفكار الشيوعية التي تجعل من الدولة مقبرة الطموح.

لم أعط تركيزًا كبيرًا لكيفية استخدام مؤشرات قياس العدالة في توزيع الدخلمثل معامل جيني أو منحنى لورنز٬ ولم أعط اهتمامًا أيضًا إلى السياسات المالية المتبعة لإعادة توزيع الدخل في المجتمع وذلك لأن هذا الأمر قد استفاض فيه الباحثون والإقتصاديون كثيرا وهو متاح لمن يريد الاطلاع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد