لماذا تكتب؟

نفس السؤال، قد يتبادر متزامنًا في أذهان كل من المدون والقارئ وقد يتطور السؤال أحيانًا إلى درجة أكثر تعقيدًا، ما قيمة الكتابة نفسها في مجتمعنا؟ وماذا تستفيد من الكتابة؟

بطبيعة الحال لكل منا طرح ما يشاء من أسئلة واستفهامات للحصول على مساحات أكبر من الضوء والمعرفة، لكن أذهاننا عادة ما تتساءل بمستوى ملائم لبيئتها الثقافية والاجتماعية ولا يمكنها تجاوز ذلك.

ولعل من يمسك قلمًا أو يضع أنامله على كيبورد، عادة ما يغض الطرف عما يثنيه عن الكتابة والتعبير والعزف الصامت لا سيما تلك الأسئلة الصعبة والمحبطة أحيانًا.

أصحاب الأقلام كأصحاب الكاميرات يحزنهم ضياع لقطات نادرة أو مشاهد لن تتكرر، يحزنهم مرور الخواطر والأفكار دونما توثيق، يصورون بأقلامهم، يرسمون بالأحرف، يقومون بكل ذلك وهم أكثر الناس قربًا من إجاباتها إن أرادوا الإجابة عنها.

الكتابة.. رسم وترجمة

في استطلاع ذي صلة بعنواننا، عبر عدد من هواة الكتابة عن ارتباطهم به، قالت الطالبة الجامعية بالخرطوم منى يحيى لزم: «أكتب لأعبر عما بداخلي تجاه شيء ما أو شخص ما، أكتب لأرسم لوحة وابتسامات علي وجوه عاشقي القراءة، لا أعرف لماذا أكتب على وجه التحديد، لكني ساظل أكتب حتي تمتلئ أوراقي، وينفد الحبر من أقلامي».

أما محمد عبدالله المك فيقول: «الكتابة أداء منظم نعبر به عن أفكارنا ومشاعرنا ووجهات نظرنا»، وتقول الاختصاصية النفسية هدى محمد: «نكتب لنترجم ما يجيش بدواخلنا، بعضنا يكتب لنفسه، ومنا من يكتب ليفيد الآخرين».

ملعب واسع وأخضر

حملة الأقلام وهواة الكتابة يحزنهم تساؤل الناس عن دائرة سعادتهم، يقول أحدهم: «في عالم كرة القدم تنزعج الجماهير من دخول الخصم لنصف الملعب الخاص بها، فضلًا عن توتر المدرب وارتباك اللاعبين، وفي عالم الكتابة يحزننا دخول الجماهير إلى ملعبنا أيضًا».

جميل ذلك الملعب وواسع وأخضر، وملعب الكتابة والتعبير بحفيف كيباده أو صرير الأقلام كما سماه الشافعي (وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء والعشاق.)

 ارتباط بمهنة الموت

قدَر المدونين أن تكون هوايتهم ذات ارتباط وثيق بملعب آخر ساخن وساحة وغى ومهنة متاعب في السابق وموت في الحاضر، وليس من السهل فك الارتباط وفصل الصلة وقطع العلاقة معها، رغم أن المدونين ليسوا صحفيين دائمًا كما يتصور كثيرون وإن جمعتهم الوسيلة والأساليب والقنوات أحيانًا كثيرة.

في بعض الأحيان، قد يتطور المدون إلى صحفي محترف ويحدث العكس أيضًا في حالات كثيرة! للعودة إلى روح الكتابة ومتعة الهواية حين يكتب صحفيون كبارًا كتابات (غير صحفية) وغير مدفوعة الأجر وغير ملتزمة بخطة نشر.

يكتب المدون وحاله كالمنفق يهب من منح الواهب ويعبر قلمه عن حاله قائلًا:

«لا خيل عندك تهديها ولا مال @@ فليسعد النطق إن لم يسعد الحال»

وبرأي الكاتبين: ليس أجمل من النطق الصامت، كلمات وحروف متلاصقة تصنع ابتسامة هنا وتمنح أملًا هناك، وكم معاناة حكاها كاتب فتحت أبواب أمل لم تغلق بعدها.

وإذا كانت المعرفة قد شرعت في العودة مرحلة إلى الشيوع والتشاركية والمجانية، ومغادرة نقطة الندرة والاحتكار بفضل ما وفرته تقنيات الطباعة والتصوير والاتصال وغيرها من أدوات العولمة- فإنها قد صنعت تحديات جديدة للمجتمعات والأفراد لا سيما النخب، يتمثل في القدرة على التلقي والاختيار والفرز، فالوفرة والإتاحة اختبار لا يقل صعوبة عن اختبار الندرة والسيطرة.

خلاصة

التدوين وسيلة ترفيه جادة ومنفذًا ومتنفسًا في بيئات يقترب أفقها إلى الانسداد، وهواية منتجة، وأداة للمحافظة على اللغة ونقل المعرفة وربما احتراف الكتابة صحفية كانت أو أكاديمية.

افتحوا للمدونين الأبواب والنوافذ، وابنوا لهم مزيدًا من منصات التدوين؛ فلعل خاطرة مدون تلهم آخر، وتصنع فجرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد