أثارت ظاهرة خسوف القمر قبل عدّة أيام نقاشًا حادًّا بين المتابعين؛ فهناك من يراه ظاهرة فلكية عابرة لا ينبني عليها شيء، وهناك من يرى أنّها مرتبطة دينيًا – عند غيرنا -بتغييرات جارفة، ولا بد من التقرير أنّها عندنا كمسلمين ليست إلا ظاهرة فلكية عابرة، يسنّ عند حدوثها الفزع إلى الصلاة حتى تنجلي؛ حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا. رواه البخاري . وعليه فلا يمكن من جهتنا كأمّة ذات عقيدة واضحة وجليّة وحاسمة في دقائقها أن نربط أو ندعي رابطًا بين حدوث هذه الظاهرة وأحداث تليها.

بعد ما اتفقنا عليه سابقًا كمسلمين، نذهب الآن إلى الحديث عن هذه الظاهرة عند غيرنا وتحديدًا في الكتاب المقدس بشقيه: القديم والجديد، حيث يقوم كلّ كيان المحتل الديني على الحسابات والجُمّل والكابالة، وكل فعل يقومون به فيما يتعلق بتوطيد علاقته بأرضنا المحتلة له علاقة بصورة ما بما يعتقدون في كتبهم الدينية وشروحاتها، لا زالت صورة ذلك الصهيوني المحتل المتباكي داخل الحرم القدسي الشريف حاضرة في ذهني وأمام عيني، فلمَ اختار تلك البقعة؟ولماذا تكون الاقتحامات الصهيونية بجموع غفيرة مرتبطة بتواريخ محددة؟ ففي عام 2015 كان الموعد 28 سبتمبر (أيلول)، وهو يوم حدثت فيه ظاهرة القمر الدموي، وكذلك تواريخ مشابهة مرتبطة بأعياد معينة عند الصهاينة. وفي عام 2014 حدثت الظاهرة  يوم الفصح 15 أبريل (نيسان). وكذلك في يوم العرش 10 أغسطس (آب) 2014، وتكررت الظاهرة عام 2015 يوم الفصح 4 أبريل، ويوم العرش 28 سبتمبر 2015، وأثناء البحث عن معنى هذه الظاهرة عند القوم وجدت شرحًا مفصلًا للمسألة يربطه صاحبه بنهاية الحقبة التي نحياها وعودة المسيح، وفي النصوص ما يُلقي الضوء على التحركات المتسارعة لبناء الهيكل المزعوم.

ينقل شارح الظاهرة كلامًا من إنجيل متى، كلامًا للمسيح عليه السلام أثناء خطبته على جبل الزيتون يقول فيها: بعد ذلك تظلم الشمس، ولا تعطي نورها للقمر، والنجوم تتساقط من السماء، وتهتز قوة السماء. وينقل كلامًا من سفر الرؤيا كالآتي: وعندما فُتح الختم السادس كان هناك زلزال قوي، والشمس أصبحت سوداء، والقمر أصبح مثل الدم، وتساقطت نجوم السماء على الأرض، ومن ثمّ يعود إلى سفر يوئيل في العهد القديم لينقل ما سيحدث حسب الكاتب، وسأظهر العجائب في السماء والأرض، دماء، نار، وأعمدة من الدخان، ثم يقول إن الخلاص حسب نفس السفر يكون في القدس، ويكون الخلاص على جبل صهيون وفي أورشليم. ثم ينقل الكاتب من سفر زكريا في العهد القديم هذا الكلام العجيب: وهكذا سيكون البلاء العظيم عندما يفتن الربّ من يقاتل ضدّ أورشليم، سيذوب لحمهم وهم واقفون على أقدامهم، وستذوب أعينهم في محاجرها، وألسنتهم تذوي في أفواههم. وفي معرض حديثه عن الخلاص ينقل هذا النص: انفخوا بالبوق في صهيون، وقدّسوا صومًا، ونادوا لمحفل مقدس. قدّسوا الجماعة. ليبك الكهنة خدام الربّ بين الرواق والمذبح. سفر يوئيل 2. وليس الغرض من الكتابة البحث عن صحة النصوص من عدمها، لكن إثبات أنّ القوم يتصرفون حسب ما يعتقدون، وينفذون تبعًا لحساباتهم المرتبطة بمثل ظاهرة القمر الدموي.

يشرح الكاتب عن الظاهرة أنّها من جهتهم الدينية، وحسب ما لديهم من نصوص، مرتبطة بأحداث أخرى، وهي ظلام الشمس وتساقط النجوم، والغريب أنّه يُعلق على هذا النص تحديدًا بأنّها حرب نووية ستذيب اللحم وتخفي الجنس البشري، إلا المتمسكين بكلمة الربّ والهاربين إلى صهيون، وبالتالي يفهم إصرار القوم على بناء الهيكل المزعوم وصمت الجزء الآخر من أصحاب نفس العقيدة عن الانتهاكات اليومية بحقّ الحرم القدسي الشريف. وبالحديث عن الهيكل المزعوم يمكن القول – ولو بصورة مبدئية – إنّه لم يعد خافيًا السبب الذي يجعل المستوطنين الصهاينة يتمددون على الأرض، ويبكون في موضع محدد عند تدنيسهم للحرم القدسي الشريف، حيث يمثل ذلك استجابة من قبلهم لنداء الربّ في سفر يوئيل: ليبك الكهنة خدام الرب بين الرواق والمذبح. أي أنّ الهيكل من الناحية المعنوية موجود عند القوم، ولم يبق سوى البناء المادي، والذي بدأ يلوح في الأفق التجهيز لمكانه، حتى وإن لم يشمل كل الحرم القدسي الشريف، وربما يأتي تسريب الفيديو الذي يصوّر سقوط حجر من حائط البراق في هذا السياق، فما الذي، ومن ذا الذي، سيقف في وجه المحتل إن قال إنّه سيرمم الحرم القدسي الشريف، وأثناء الترميم انهار مبنى ما؟

قد نختلف حول الكثير من المسائل، منها طبيعة الصراع مع المحتل وحليفها الديني في العالم، ولكن إن كان كلّ تحرك للقوم يدعمه النص المقدس الخاص بهم، فما طبيعة الصراع إذًا؟ هو ينشر نصوصه ويكرّس كل حياته لجعلها واقعًا ونحن نخاف من تصنيف مؤسسات العالم على أنّنا جماعة دينية متطرفة، رواية يدعمها بضع عشرات من الملايين تعتبر حقًا تاريخيًا ودينيًا، ورواية خلفها مليار ونصف المليار تتوارى عن العالم؛ حتى لا توصم بالتطرف. يا لها من معادلة تشرذم وهوان وذل وخور وخنوع!

لقد تبين من البحث السريع أنّ القمر الدموي يعتبر مفتاحًا لمرحلة النهاية عند القوم، وأنّ كل ما يتبعه من أحداث يتعلق بالحرم القدسي الشريف، وأنّ القوم لا يستبعدون حربًا نووية تذيب اللحم وتسيل منها المقل في محاجرها لتتحقق نبوءة غير مؤكدة الصحة من عدمها، الناجون هم الباكون بين الرواق والمذبح في بيت الربّ المزعوم، وأنت لاه سادر تنقل الآراء وتجادل بغير بينة، وكأنّ هذه الحادثة كرّست الفرق الكبير بين الباطل الذي يتمسك بنص غير مؤكد، ويعمل لجعله واقعًا، وبين الحقّ الذي لا يجمعه شيء، ولا حتى الأحرف التي كُتب بها، وزهده في نصوصه الموثوقة القطعية الصريحة، نعم، فهذا زمن جلد الفاجر، وكسل وعجز الثقة، والله غالب على أمره، ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الحياة-ترجمة تفسيرية-الطبعة الرابعة-سفر يوئيل وسفر زكريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد