لأننا أصبحنا في عصر بطولته للظلم والقتل والفساد! أصبح الدين نقطة لانطلاق الصراع والعنف رغم أنه مبتعث لإصلاحها! فكيف للبوذيين أن يذبحو ويحرقوا غيرهم وهم أكثر أديان الأرض استسلاما ودعة؟!

كيف للمسلمين ونبيهم بعث بالرحمة والعدل أن تتحول جماعات منهم للقتل والسبي والحرق والذبح، ويتحول حكامهم للبطش والتجبر والخيانة؟!

كيف للمسيحية أن يسطر تاريخها كأعنف وأشرس أتباع ديانة عرفهم التاريخ من إبادات جماعية لحروب دينية ومذهبية للاحتلال وتدمير ونهب وتخريب وكأن المسيح لم يبعث للضعفاء والفقراء العجائز بل بعث للطغاة والمرابين!

أما اليهودية فحدث ولاحرج على تحريفها وقسوة وهمجية وفساد المنتمين إليها! فما العلاقة بين الدين والعنف؟ وما الذي يجعل المتدين ينشر الظلم والعنف في الدنيا وهو رسالته أن يبعث الخير والحب؟

فمنذ أن خلق الله آدم كما هو مقرر عند أصحاب الأديان لم يبدأ التاريخ الإنساني إلا بتحريفات نهج الشرع وسلوك الخير لينتقل لمراحل متتالية من جرائم وسفك دماء وكذب وفساد.

وعبر آلاف السنين من مبدأ تطور الأديان نشأت الحروب باسم كل دين وخلفت أرضا تموج بالصراعات حتى الآن مما جعل الملاحدة واللادينيين يوصمون أصل الأديان نفسها بكونها السبب في الصراع والدم والخراب! رغم أن الحقيقة البشرية أن طبائع الناس هي التي تسيطر على الأفعال والتاريخ وليس الدين أو المبدأ إلا هادٍ لمن اهتدى، أما من يضل فهو الذي اختار طريق الشر وسلكه ومن المستحيل أن تعمم أفعال الأتباع للأديان على حقائق التدين وإلا فلماذا كانت هناك حروب ودمار وظلم بين البشر غير المنتمين للأديان أو الأقل تدينا كما يطالعنا كثير جدا من تاريخ الحروب والظلم في البشرية جمعاء! وعند البحث في أصل مشكلة العنف الديني أو علاقة التدين بالظلم والقتال والصراع سنرد ذلك الأمر لأصلين.

الأصل الأول: إنشاء الدول باسم الأديان أو دخول الدين في صراعات مصلحة سياسية.هذا الأمر السياسي كان منبع إنتاج العنف والحروب من قلب الدين الذي هو أصلا منبع هداية وأخلاق كريمة وسلام وطمأنينة وارتقاء روحي يصل بالإنسان للبعث وهو ناجٍ من هلاك الجحيم كما تقرر ذلك كل الأديان حتى الوضعية منها.

والأصل الثاني: هو تحريف الأديان نفسها عن طريق رجالها وعلمائها وطوائفها؛ وسنأخذ أمثلة حقيقية على ذلك التحريف والاستخدام البشري للسلطة والتغلب والمصلحة باسم الدين. إذن لنلقي نظرة شاملة على تطور المتدينين نحو العنف في أشد الديانات عنفًا عبر التاريخ.

1- الوثنية الرومانية

شهدت الوثنية الرومانية أشد عصور البطش والفتك للمخالفين لهم في الدين ولم يكن مبعث الاضطهاد دينيا فقط بل كان (سياسيا) مما أدى لقيام أبشع مجازر الرومان في حق المسيحيين الذين رفضوا تأليه الإمبراطور أو الخدمة في جيشه. حيث بدأ اضطهاد الدولة الرومانية الرسمي للمسيحيين في عام 64 م على يد الإمبراطور نيرون وحتى عام وفاته 68 م بتحريض من زوجته بوبياسبينا وعرف هذا الاضطهاد بالاضطهاد الأول، أما الاضطهاد الثاني فقد تم بين عامي 95 – 96 م زمن الإمبراطور دوميتيان في عصر نيرون، وكثرت المؤامرات والاغتيالات السياسية التي كان له يد في تدبيرها وكانت أمه “أجريبينا” إحدى ضحاياه!

وفي نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع كان الاضطهاد الكبير؛ فقد تمت سلسلة من أربعة مراسيم حظر خلالها الممارسات المسيحية وأمر بسجن رجال الدين المسيحي، شهد القرن الثالث صورا أخرى من أبشع ألوان التعذيب والاضطهاد للمسيحيين، وذلك في عهد الإمبراطور دقلديانوس، الذي أمر بهدم الكنائس وإعدام كتبها المقدسة، وأمر بإلقاء القبض على الكهان، وسائر رجال الدين، فامتلأت السجون بالمسيحيين، وقتل الكثيرون بعد أن مزقت أجسادهم بالسياط والمخالب الحديدية، والنشر بالمناشير، والتمشيط بين اللحم والعظم، والإحراق بالنار، وقد سمي عصره باسم “عصر الشهداء” حسب المصادر المسيحية.

ولقد تمثل ذلك العصر كأبشع مايكون الاضطهاد؛ ثم كان الغرب أيضا منبع الاضطهاد والمذابح للمخالفين من جديد ولكن تلك المرة باسم (الديانة المسيحية)!

2- الديانة المسيحية

نبعت من أتباع الديانة المسيحية حروب دينية راح ضحيتها ملايين من البشر الأبرياء سواء كانوا من أصحاب الديانات البدائية وبغية الحصول على الثروات واحتلال الأرض وسبي العبيد كما حدث من المسيحيين الغزاة للأمريكتين وأبادوا ملايين الهنود الحمر.

أو ماحدث بنفس المعيار ضد الأفارقة عند الاحتلال بالعصر الحديث ونشر العبودية بين أبناء القارة السمراء وقتل وسبي الملايين منهم لأخذهم لأوروبا والعالم الجديد كالحيوانات المساقة دون ثمن! وقد شهدت الأندلس اضطهادا بشعا بيد أتباع الديانة المسيحية من القشتاليين الكاثوليك الذين راح ضحيتهم ملايين المسلمين واليهود بعصور محاكم التفتيش على مدى قرون متوالية من التطهير العرقي (للعرب واليهود) والتطهير الديني لمسلمي الأندلس وإجبارهم على التنصير!

ثم شهدت نفس الديانة دوامات متتالية من العنف الداخلي بين أبناء مذاهبها المتناحرة منها الاضطهاد الروماني المسيحي الكاثوليكي لأتباع المسيحية الأرثوذكسية من المصريين، ولقد نكل الاحتلال الروماني بهم حتى تشرد الرهبان والقساوسة في الصحاري والجبال للحفاظ على مذهبهم من الاضطهاد وذاق أتباع الأرثوذكس كل أنواع القتل والإيذاء؛ ولعل الدوائر القديمة دارت عليهم فلقد كانوا هم يومًا ما يذيقون باقي المصريين الاضطهاد باسم الرب والصليب ودمروا معابد مصر وقتلوا الآلاف من وثنييها الرافضين لديانتهم! ومن أبشع الحروب المذهبية بالمسيحية تلك التي قامت في أوروبا إبان عصر النهضة وبفرنسا مابعد الثورة الفرنسية حيث راح ضحيتها ملايين البشر من مسيحيين الكاثوليك والبروتستانت على حد سواء.

وعندما ننظر للحروب المذهبية سنجدها أخطر وأشد من الحروب بين دينين مختلفين جذريًا وذلك لتركز الحرب حول عقدة تحريف الدين واختلافه أي حرب دينية بحتة؛ غالبًا لايغلفها أهداف سياسية ومادية كما في الحروب باسم الدين ضد أصحاب ديانات أخرى كالحروب الصليبية ضد المسلمين وحروب القشتاليين الكاثوليك ضد الأندلسيين المسلمين واليهود كمثال أو كحروب الاحتلال المسيحي لأمريكا وإبادة الهنود الحمر كمثال آخر لا يقل قسوة وضراوة حيث امتزج العنف الديني بالمطامع والسياسة فشكلوا أبشع مجازر التاريخ الإنساني.

3- الديانة اليهودية

لا يكفي أن نشمل متديني اليهودية وعلاقتهم بالعنف كأمر تطور غير طبيعي لأن العنف والقسوة وإلغاء الآخر وعدم الاعتراف بإنسانية غير اليهود هو أمر أصيل من جوهر ديانتهم وذلك على عكس الديانات الأخرى التي في جوهرها التسامح والرحمة ولكن طبائع البشر ومطامع السياسة تحرف نهجها للعنف والتطرف.

أما اليهودية فأساسها هو ذلك العنف المقدس الذي يصور للكون أنهم أسياده وهذا ما أدى لقسوة الغير ضدهم في عصور مختلفة عانوا منها هم كمضطهدين ولكن تبدل الحال في فترات كثيرة بالتاريخ كانوا هم الفاعلين للمذابح والحروب ضد الغير أولها كان اضطهادهم للمسيحيين مع الرومان؛ وأشهرها في القرن العشرين وإبادتهم لعشرات الآلاف من الفلسطينيين وتهجيرهم للملايين منهم؛ وكذلك جرائم الحرب التي ارتكبوها ضد العرب تحت مسمى الدولة اليهودية في أرض فلسطين والتي هي مستمرة منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا في تقديم أبشع أنواع السيطرة والمذابح والقتل على الهوية للأغيار باسم الديانة اليهودية والحقوق الربانية والتاريخية!

4- الدين الإسلامي

من المفزع حقا أن نجد دينا كتابه

أُسس على العدل والرحمة والعقائد السليمة واستخدام العقل ونشر التعمير والخير بين البشرية أن يتحول بعض أتباعه من المتدينين به لأبشع أنواع التطرف والقتل والمذابح للأبرياء؛ فرغم أن التاريخ البعيد لم يشهد قتالا غير مبرر للمسلمين وأقصد التبرير الدولي والأممي لفتوحات تلك العصور القائمة على بسط النفوذ وليس الحروب بمنظور الاضطهاد لأصحاب الديانات الأخرى؛ حيث لم يشهد تاريخ المسلمين حتى المستبدين منهم كما بالدولة الأموية حروب تطهير ديني أو عرقي أو إجبار أحد على دخول الإسلام في البلاد التي تخضع للحكم العربي إلا أن تطور الأزمان ونمط عنف المتدينين من البشر المسلمين أدى لظهور جماعات إجرامية منهم خصوصا بالعصر الحديث وبعد عصور الاحتلال الغربي للدول الإسلامية؛ وكان أشهرهم تنظيم القاعدة وبوكو حرام وتنظيم الدولة.

ولكن لم يخلُ تاريخ المسلمين من بعض الاضطهاد للأقليات خصوصا في عصر الدولة العثمانية ومذابح الأرمن. ولعل أبشع أنواع العنف باسم الدين الإسلامي هي التي تستخدم ضد المسلمين أنفسهم فأغلب ضحايا هؤلاء مسلمون مخالفون لهم بمناطق نفوذ المتطرفين. أو من شيعة لسنة ومن سنة لشيعة أي حرب مذهبية وهي أيضا ذات جذور تاريخية منذ نشأة الدولة الأموية وحتى عصرنا الحاضر تحت الاستبداد السياسي ومابعد الاحتلال الأجنبي لبعض دول الإسلام.

5- الهندوسية والبوذية

تنتشر الديانة الهندوسية وعشرات الأديان المحلية المنضوية تحت لواء دولة الهند التي شكلت بدورها أبشع المذابح ضد المسلمين هناك مما أدى في النهاية لاستقلال باكستان عنهم ومع ذلك استمر القمع والقتل لمسلمي الهند حتى وقت قريب؛ وما يلبث إلا أن يتجدد الصراع هناك.

أما الديانة البوذية فرغم مدى مسالمتها المعروفة عن رقيها الأخلاقي عن مطامع الحياة إلا أن اضطهاد الروهينجا بميانمار فاق أبشع عصور التطهير العرقي بالعالم من قتل وتنكيل وتهجير وحرق للأحياء من المسلمين هناك وما زال المجتمع الدولي عاجزا عن التصدي لتلك الإبادة لحرب دينية وسياسية شديدة القسوة ضد مسلمين الروهينجا هناك!

بعد كل تلك الشواهد لا يسعنا أن نربط أصول الأديان بالعنف إلا فيما ندر وتبقى طبائع البشر وتصارعهم المادي والسياسي هو المبرر الأبرز للحروب الدينية والعنف باسم الدين أيًا كانت طبيعة الديانة أو ربها فالمسؤولية تقع على عنف بعض المتدينين باسم نمط التدين الذي اختاروه؛ وليس على الدين نفسه الذي هو في النهاية أهم ما يمثل دعائم الرقي الروحي والأخلاقي في حياة البشرية منذ الأزل. ومع ذلك يعد التدين العنيف والمتطرف أقوى محرك لأبشع أنواع الحرب لأنه عنف مقدس يأخذ قتل الآخر وسيلة للتقرب إلى الرب المزعوم رضاه ببحور الدماء لخلقه رغم أنه هو الذي خلقهم مختلفين !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد