ساحة حرب تلك التي عاشها لبنان بالأمس، قذائف، إطلاق نار مستمر، عراضات عسكرية، قنص، إغلاق مدارس، ترويع الآمنين. لم يكن ذلك غريبًا فقد توقعه الجميع، فبعيد فاجعة انفجار المرفأ والتي راح ضحيتها أكثر من 210 أشخاص وجرح المئات، تحلقت القوى السياسية حول هدف واحد وهو «تطيير» التحقيق. نجحت المنظومة السياسية في البداية في إسكات المطالبات بتحقيق دولي لعدم ثقة أهالي الضحايا بالقضاء اللبناني المسيس، كما أبعدوا القاضي «صوان» عن ادارة ملف التحقيقات. إلا أنه ولسوء حظهم أتى خلفه بشراسة أكبر وبدعم دولي أوسع فكان القاضي طارق البيطار، أكثر صرامة في توجيه الاتهامات للسياسيين.

لم يكتف البيطار باستدعاء رئيس الوزراء السابق حسان دياب وثلاثة وزراء معه، ولكنه أصدر أخيرًا مذكرة جلب بحق اليد اليمنى لرئيس مجلس النواب اللبناني الاستاذ نبيه بري وزعيم حركة أمل، الوزير علي حسن خليل، وهو ما لم يحتمله الثنائي الشيعي. فبعد توالي تهديدات البيطار أن على لسان الوزراء الثلاثة المطلوبين للتحقيق أو على لسان أمين عام حزب الله الذي أفرد مساحات من خطاباته الأربعة الأخيرة للهجوم على البيطار، أتى التصعيد في الشارع بعد خروج المتهمين بكفي حنين من الطرق القانونية ومن التهديدات الشفهية. فقد كانت رسالة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا قبل ثلاثة أسابيع واضحة بترهيب البيطار «بقبعه» والذي تعمد الحزب خروجها للاعلام وعدم نفيها حتى. كما فشلت كل محاولات كف يد القاضي بيطار قانونيًا أو سياسيًا من خلال التلويح موخرًا بفرط عقد الحكومة إذا استمر القاضي بيطار في تحقيقاته.

عند ساعة الصفر نزل حزب الله وحركة أمل للشارع مطالبين باسقاط البيطار ومن خلفه تحقيقات المرفأ المسيّسة بنظرهم في مشهد شبيه بمشهد اعتصامات ساحة الشهداء عقب المطالبة بالمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أو بمشهد 7 مايو (أيار) 2008 عندما اجتاح الثنائي الشيعي بيروت بهدف فرض رؤيته السياسية. وقد كان له آنذاك ما أراد فقد أجبرت الطبقة السياسية على التوقيع على اتفاق الدوحة. هذا الاتفاق الذي تحررت على اثره بيروت من هيمنة سلاح حزب الله وحركة أمل، إلا أنها سلمت الثنائي مفاتيح السياسة اللبنانية.

لم تتغير حسابات حزب الله عن الأمس، فقد اصر على عدم توجيه أي تهمة له أو لحليفه الشيعي، ما قد يسبب له بمتاعب قبيل الانتخابات النيابية أو قد يؤثر على امساكه بتلابيب القرار اللبناني. هذه الانتخابات التي توليها الأطراف اللبنانية والدولية أهمية كبيرة والتي تذللت كل العقابات التي تحيل دونها بعد تشكيل الحكومة والدعم الدولي الكبير لإجرائها. يراهن المجتمع الدولي ومن خلفه أحزاب «الثورة» والمعارضة في لبنان على حدوث تغيير في شكل البرلمان اللبناني يوصل إلى سحب القرار اللبناني من يد حزب الله ولو جزئيًا، ولكن يراهن حزب الله وحلفائها على تطييرها أو أقلها إضعاف تأثيرها.

لا يعتبر الثنائي الشيعي قلقًا من انتخابات الساحة الشيعية، ولكن عينه على حلفائه وبخاصة الرئيس عون وحزبه والذي تمايز موقفهما في قضية المرفأ. فعون الذي يعتبر أنه لا يمكنه التملص من دعم البيطار باعتباره يحقق بقضية أصابت العمق المسيحي، سعيد بتصويب القاضي سهامه للرئيس بري ويمدّ يده، من خلاله دعم التحقيق، الى الأمريكي الذي يدعم البيطار بشدة. إلا أن عون بهذه السياسة يقامر على علاقته بحزب الله الذي يعتبر التعرض للرئيس بري هجومًا عليه.

أما في حسابات الميدان، ومع انفجار الشارع وعودة خط تماس عين الرمان الذي أشعل الحرب الأهلية عام 1975 ولو ليوم واحد، وضع الرئيس عون على المحك في شارعه المسيحي الذي اتضح اليوم ميوله لسياسة القوات اللبنانية التي شجعت مناصريها على مقاومة حزب الله، وهو ما كان بالأمس من خلال بعض الإصابات التي تعرض لها محازبون في القوات اللبنانية، والتي تظهر حضور القوات كفاعل أساس في الاشتباكات. القوات التي تسعى لتسويق نفسها كمدافع أول عن سيادة لبنان وجهت رسالة بالأمس «أنا من يحمي المسيحيين في وجه حزب الله لا أحزاب الثورة الناشئة»، وهو ما يزيد من شعبيتها في الساحة المسيحية أمام الغريم المتراجع والحائر بين دعم شارعه أو حليفه الذي أوصله لرئاسة الجمهورية.

اشتباكات الأمس – التي وضعت علامات استفهام كبيرة على تقاعس الجيش عن استباق الأحداث التي توقعها أهل الطيونة وعين الرمانة، ومن خلفهم القوات اللبنانية فتحضروا لها بالسلاح – سيكون لها ما بعدها إن في الشارع أو في التحالفات الانتخابية وصناديق الاقتراع. في المحصلة إن الأطراف المتصارعة كافة سعيدة بما جرى، ولو على حساب دماء شبابها، لأن هذا الاقتتال من شأنه شد العصب الطائفي وحشد الجماهير قبيل انتخابات يعتبرها البعض مصيرية في تحديد وجه لبنان القادم، إلا أن هذه المعارك تحرج التيار الوطني الحر المستمر في التراجع وهو ما يقلق حزب الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد