يصارع العلم بشكل مستمر على حل مشكلات العالم المختلفة وأبرزها الصحية، والتي تتطور جنبًا إلى جنب مع التقدم العلمي والتحديات التي تقف أمام البشرية، ومن أحد الصعاب التي يحاول الطب التغلب عليها هي مشكلة نقص مخزون الدم حول العالم، وقد تبدو هذه المسألة بعيدة عن التعقيد، إلا أن تفاصيلها مربكة بالفعل.

ناشدت منظمة الصحة العالمية عام 2016 بضرورة الإسراع في زيادة عمليات التبرع بالدم طوعًا، ودون مقابل، في أكثر من نصف عدد بلدان العالم؛ من أجل ضمان توفير الدم اللازم للمرضى الذين تتوقف حياتهم على بضعة وحدات من الدم، فما أصل المشكلة؟ وهل يكمن حلها في زيادة عدد المتبرعين؟

كيف أصبح مخزون الدم مشكلة من مشاكل العالم الحالية؟

انخفضت نسب التبرع في عدد من البلدان المتقدمة والمسنة، كألمانيا وبريطانيا، وعلى إثرها حذر مسئولو الصحة من قلة عدد المتبرعين بالدم بمقدار الربع تقريبًا، أي بنسبة 23% خلال السنوات العشر الماضية، وخاصة بين الأشخاص الذين في عمر الثلاثين.

وفي ظل الصعوبات التي يواجها العالم باستمرار، إما بسبب الأوبئة المدمرة، أو الحروب والكوارث الطبيعية، تزداد حاجة المستشفيات لمخزون الدم لإسعاف الحالات التي تفقد كميات كبيرة من الدم، أو للحالات المرضية المزمنة التي تحتاج إلى إمدادات دائمة من وحدات الدم؛ لإعادة الحياة فيها، أو استكمالها.

لكن نصف المشكلة تكمن في أن الدم يفقد صلاحيته بعد 42 يومًا من تخزينه مبردًا، ولا يبقى مناسبًا للنقل إلى المريض، ونصف المشكلة الآخر في أن التقدم العلمي في الطب ساعد الأطباء على النجاح في استطالة عمر الإنسان، ولكن هذه الآلية أدت إلى زيادة الحاجة إلى منتجات الدم لنقلها إلى المسنين – أكثر الفئات حاجة إلى الدم – وليس هذا فقط، فإن التغيرات الديمغرافية تلعب دورًا بالغ الأهمية في هذا المحور، فإن البلدان التي تواجه انخفاضًا في عدد المواليد، يقل فيها عدد المتبرعين بالدم؛ وبالتالي يتقلص مخزون الدم، وهذا ما يرجح خلق كارثة مستقبلية في الأفق، خاصة أنه عادة ما يؤخذ حوالي نصف لتر من الدماء من المتطوع، لكن هذه الكمية تعتبر قليلة جدًا بالنسبة إلى الشعوب الهرمة، مثل ألمانيا.

مع العلم أن الوحدة الواحدة من الدماء قد تعود بالفائدة على العديد من المرضى؛ حيث يمكن استخدام الدماء، إما كوحدة واحدة، أو تقسيمها إلى مكوناتها، كالصفائح الدموية، وخلايا الدم الحمراء والبلازما، والتي يمكن استخدامها لعلاج الكثير من الأمراض، أو خلال العمليات الجراحية ومضاعفاتها.

ما الذي غير نظرة العالم حول التبرع بالدم؟

فقد العالم ثقته في منتجات الدم؛ بسبب الفضيحة التي ظهرت في فترة الثمانينات، والتي نجم عنها وفاة حوالي 2400 شخص على الأقل؛ بسبب حقنهم بمنتجات دم ملوثة، والتي أدت إلى إصابتهم بفيروسي: نقص المناعة المكتسب، والتهاب الكبد الوبائي.

وبحلول عام 1986 أدى التحسن في عمليات فحص المتبرعين إلى تلقي المرضى علاجات أكثر أمانًا؛ حتى أصبحت العلاجات الصناعية لمرض الهيموفيليا متاحة، وهو ما أزال خطر الإصابة بالدم الملوث في أواخر التسعينات.

ما الحلول المقدمة للتخلص من أزمة نقص مخزون الدم؟

حاول العلماء على مر السنوات أن يجدوا حلًا مناسبًا لهذه المشكلة، وفي الأثناء تمكن علماء في جامعة بريستول من التوصل إلى أسلوب جديد لإنتاج الدم، وذلك بالاعتماد على محاصرة الخلية الجذعية – المسؤولة عن إنتاج الدم – وهي في مرحلة مبكرة من مراحل النمو، وزرعها لتنتج أعدادًا لا نهائية من الخلايا الجذعية التي تجعلها غير قابلة للموت، ثم تبدأ عملية تحفيزها لتتحول إلى خلايا دم حمراء.

ويقول الباحثون إن هناك عدة خصائص لا بد أن تكون موجودة للحصول على دم صناعي مثالي لا يعرض المريض للخطر، وهي أن يكون استخدامه متوافقًا داخل الجسم البشري، وأن يكون قادرًا على نقل الأكسجين إلى أنحاء الجسم، ثم إطلاقه وتحريره عند الخلايا التي تحتاج إليه.

وبخلاف التبرع بالدم الطبيعي الذي لا يمكن تخزينه لأكثر من شهر واحد قبل أن يصبح منتهي الصلاحية، يُمكن أن يكون الدم الاصطناعي جاهزًا ومتوفرًا دائمًا كمخزون احتياطي؛ وذلك لأنه يمكن تخزينه لأكثر من عام.

لكن مع الأسف لم يُتوصل إلى المرحلة النهائية لإنتاج الدم الصناعي في المعامل بشكل فعلي حتى الآن؛ إذ أكد الباحثون أن أمامهم بعض الوقت أمام تحقيق ذلك على أرض الواقع؛ بسبب عدم توفر الموارد البيولوجية اللازمة لإنتاج الدم، لكن تكنولوجيا التصنيع ما زالت قيد التطوير.

يقول في هذا السياق دايفيد أنستي، الباحث في جامعة بريستول إن: «هناك تحديات تتعلق بالهندسة البيولوجية، وأن إنتاج هذه الكميات الكبيرة يمثل تحديًا كبيرًا، وهو الذي علينا خوضه أثناء تطوير الطرق اللازمة لتصنيعها بالغزارة المطلوبة في المرحلة الثانية من العمل».

هل تكون الديدان البحرية الحل لإنقاذ الملايين؟

البحث عن الحلول لنقص مخزون الدم في العالم، فاق حدود التصور؛ ليصل إلى الديدان البحرية التي يتم استخدامها عادة كطعوم للصيد لتصبح بديلًا عن الدم البشري، وذلك عندما عمدت مجموعة «أكواستريم» إلى تربيتها بالملايين في بريتانيه غرب فرنسا.

يقول المدير المساعد لموقع أكواستريم البحري: إن «الدود البحري الذي نجده على سواحل المنطقة له ميزة كبيرة في أنه يحتوي على بروتين الهيموجلوبين القادر على حمل كميات أكثر بـ40 مرة من الأكسجين من الرئتين في اتجاه خلايا الجسم مقارنة مع الهيموجلوبين البشري».

إذ يتميز الهيموجلوبين الموجود لدى هذا النوع من الديدان بقدرته العالية على التكيف مع جميع فئات الدم، ويسمح بحفظ أطول للأعضاء المعدة للاستخدام في عمليات الزرع.

في الوطن العربي.. ما بين المشكلة واحتماليات حلها

طبيعة الظروف في الوطن العربي السياسية والاقتصادية، تؤثر بالدرجة الأولى على المستشفيات التي تمتلئ بالمرضى الذين يحتاجون إلى دماء المتبرعين ليبقوا على قيد الحياة، وبسبب وفاة أعداد كبيرة من الحالات بسبب نقص مخزون الدم تعمل الكثير من الجمعيات الخيرية أو لمبادرات الشبابية على إيجاد بعض الحلول البسيطة المؤقتة، والتي تساهم بحل جزء من هذه الأزمة على قدر استطاعتها.

ففي عام 2013 أُطلق أول تطبيق للتبرع بالدم في الوطن العربي على هواتف أندرويد، حيث يقدم هذا البرنامج للمستخدمين قاعدة بيانات للمناطق العربية بأسماء وفصائل دم الأشخاص المستعدين للتبرع بالدم وكذلك أرقام التواصل بهم.

وعلى هذا المنوال أطلقت مجموعة من الشباب الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية العام الماضي مبادرة عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها يناشدون المتبرعين للحصول على الدم وفق فصائل بعينها للمرضى في مختلف المستشفيات والمراكز الصحية عبر تطبيق إلكتروني على الهواتف الذكية يحمل اسم بنك الدم الفلسطيني.

أما في الأردن فقد ارتفعت نسبة التبرع بالدم في بنوك الدم الأردنية عام 2017 بنحو 3.35% مقارنة مع الأعوام السابقة، كما قُطف 220 ألف وحدة دم حسبما كشفت وزارة الصحة الأردنية وبنك الدم بسبب ارتفاع الإقبال على التبرع بالدم في الأردن.

هذا على النقيض من مصر التي تعاني من قلة المتبرعين في الدم، على الرغم من التعداد السكاني الهائل في البلاد، وتقول مراكز خدمات نقل الدم القومية بوزارة الصحة: إن نسبة المتبرعين بالدم في مصر تبلغ حوالي 1% من إجمالي عدد السكان، في حين أن إتاحة كميات كافية من الدم الآمن يتطلب تبرع المصريين من 2% إلى 3% بشكل منتظم.

وتواجه المغرب مشكلة مشابهة في نقص مخازن الدم، حيث تُناشد الجهات المعنية الموظفين والعاملين في الصحة بمراكز بنوك الدم لبذل أقصى الجهود لاستقطاب أكبر عدد من المتبرعين لإنقاذ المرضى من هذه الكارثة.

وبعد استعراض قضية تناقص مخزون الدم حول العالم، لا بد من إدراك حقيقة أنه في كل ثلاث ثوان هناك شخص يحتاج إلى نقل الدم، كما أن واحد من كل 10 مرضى يدخلون المستشفى في حاجة إلى نقل الدم، والأهم أن دم المتبرع قد ينقذ أربعة أشخاص عند فصل مكوناته، وليس شخصًا واحدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد