تقول الرواية التقليدية عند شيوخ السلفية: إن «المنافق» عبد الله بن سلول هو أساس الفتنة الكبرى بعد أن دس فتنته ونفث سمه بين قلوب الصحابة الطاهرة ليجعلهم يقتتلون فيما بينهم في معركة راح ضحيتها خيرة صحابة النبي بعضهم قتل وقُتل وبعضهم قُتل فقط، وانتهى الأمر إلى حكم «الحسن»، ثم تنازله لمعاوية بن أبي سفيان.

تلك الرواية الأكثر شعبية في معركة الفتنة الكبرى لم تكن لتشفى غليل أي طالب علم أو باحث عن المعرفة، إذ إن عملية القتل ذاتها حتى لو في بيئة عربية قديمة أمر صعب، تشير أخبار مكة المكرمة قبل الإسلام أنها كانت مدينة عصرية بها مجلس شورى وتجار، هذبهم الإسلام وحرم عليهم القتل وأكد لهم أن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا.

تصوير الصحابة انهم سُذج لتلك الدرجة التي تجعل من رجل -أي كان قوته- يستطيع أن يشحذ النفوس ويثير الهمم ناحية الهاوية استخفاف بعقول من حملوا راية الدين بجوار نبيهم الكريمة، الإصرار على تلك الرواية من جانب بعض التيارات لم تكن المشكلة، لكن المشكلة الحقيقية كانت في عدم السماح بالاقتراب من أول فتنة في تاريخ المسلمين والاكتفاء بالترحم على جميع من فيها باعتبارهم صحابة، ولا أدرى ماذا ينقص من قدر من أعلن قدرهم الله من فوق سماواته السبع، لولا أننا فقط نريد أن نفهم وندرك ونعرف تاريخنا، خاصة أن أصحاب النبي «بشر» أصابوا وأخطأوا.

من الفتنة الكبرى لطه حسين إلى رحلة الدم لإبراهيم عيسى تبدو القصة ليست بتلك السذاجة التي روج لها بعض شيوخ السلفية، الأديب الكبير اقترب منها وشرح المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي، أما ابراهيم عيسى فجاء بأصل المشكلة من وجهة نظره، ولا أستبعد أن يكون هناك من سيمتعنا مرة أخرى بزوايا لم يقترب منها الاثنان.

في الفتنة الكبرى لطه حسين أوضح كيف أن المجتمع تحول إلى طبقات، وماذا فعلت الطبقات «البرجوازية» في الطبقات «الكادحة»، وما دور المصالح المالية في أحداث الفتنة ليخبرنا أن الأحوال وقتها لم تكن بتلك الصورة الملائكية الصلاة والصوم والعبادة والزهد فقط، لو كان الأمر كذلك لما غضب احد من قرارات الفاروق عمر.

بعد أن أنهى طه حسين مهمته بتوضيح أن تلك الطبقات التي تشكلت وتداخلت أصبح لكل منهم مصالحه، جاء إبراهيم عيسى في روايته الرائعة ليكشف لنا أن الخلافات كانت حاضرة سواء طمعًا في الملك، أو غضب على بعض القرارات التي اتخذها ذو النورين عثمان ابن عفان وكيف تم استغلال تلك القرارات في تحقيق مطامع سياسية.

«عيسى »يشير أيضًا في روايته إلى المشكلة التي نعاني منها حتى الآن وهي ترديد الآيات دون إعمال العقل والتفكير وهو ما جسده عبدالرحمن بن ملجم قاتل سيدنا «علي» والذي كان في الأصل رسول عمر ابن الخطاب إلى أهل مصر لتعليمهم القرآن بما انه من حفظته، لكنه يحفظ القرآن دون أن يعيه ويقدس الأشخاص ما يجعله متطرف الفكر سواء مؤيد أو معارض وهو أسوأ ما يمكن أن يصيب إنسانًا.

رحلة الدم توضح كل المواقف، سبب احتجاب سيدنا علي، دور أولاد الصحابة في الأزمة، طلب خليفة المسلمين أن لا يدافع عنه أحد، أين كان الحسن والحسين وعبدالله ابن الزبير وعبدالله ابن عمر، كيف حاربوا وصمدوا حتى آخر لحظة، توضح أيضًا مقتل أثنين ممن قتلوا عثمان، دور محمد ابن ابي بكر، عبدالله ابن أبي السرح، معاوية، السيدة عائشة، الصحابي طلحة بن عبيد الله، كل شيء يتم سرده تفصيليًا.

بعيدًا عن لغة «عيسى» التي تعد احدى نعم الله عليه لكن الأهم من رحلة الدم وقبلها الفتنة الكبرى هي أنها رسخت أسباب الخلاف، جعلت مشهد معارك «صفين» بعد ذلك متوقعة وفي إطارها الطبيعي والزمني، أن يرفع صحابي سيفه في ذلك الوقت وبعد التمثيل بخليفة المسلمين لم يكن غريبًا، الجموع التي تجمعت والسيوف التي سمعت الصحراء احتكاكها كان لها من الأسباب ما يكفي، فورة الغضب ملئت النفوس وتحول الأمر إلى إنقاذ أمة أكثر من معركة هنا وهناك.

حين تتكشف تلك الحقائق يتخذ المشهد وضعه الطبيعي ويظهر عقول الرجال الذي لم يكن ليحركهم رجل منافق بحسب الروايات المنتشرة.

ملف الفتنة الكبرى لازال مفتوحًا، والجوانب كثيرة ومعقدة وتحتاج لمشرط جراح حتى لا ينحرف يمين أو يسار، لكن يبقى الأهم أن هناك الكثير لازلنا نريد معرفته حتى نفهم ماضينا الذي قد يقودنا لمستقبل نعرف دروبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد