يتثاءب التاريخ في هذه البلاد كأنه مل الحكاية كلها، مل الدم المسكوب من جيل لآخر، والرجوع القهقري. هل كل هذا الموت يخلو من قيامة؟ وهل المرجى ضاع ضيعة خاتم في الترب أم إنا سترشدنا علامة؟ وهل المسافر مل أخطار الطريق؟ أم أنه مل السلامة؟» – مريد البرغوثي

لنعد بالذاكرة التي أثقلتها دموع الثكلى لعام 1258 حين دخل المغول بغداد وفرض هولاكو حصاره على المدينة المنكوبة، كان أمرًا محتومًا لا ريب. غرق العالم في الحزن لسقوط بغداد التي دافعت لأكثر من خمسة قرون عن العالم. لطالما سطعت بغداد ببيت الحكمة ومكتباتها الفريدة، بكتبها النادرة ووثائقها التاريخية الثمينة وكتبها العلمية الكثيرة، والتي تتراوح مواضيعها من الطب إلى علم الفلك، فلك أن تسرح بخيالك يا صديقي؛ فما قاله المتبقون على قيد الحياة: إنها دمرت بالكامل، ومياه نهر دجلة أصبحت سوداء كبهيم الليل؛ نتيجة لكمية الحبر الهائلة التي نتجت من إلقاء الكتب بالنهر.

المساجد والقصور والمستشفيات وغيرها نهبها المغول جميعًا، ثم أحرقوها بعد ذلك. عم الذعر وأقبل الموت، حاولوا الهرب، ولكن تم اعتراضهم من قبل قوات المغول، وتراوحت أعداد القتلى من مائتي ألف، حتى مليون قتيل. أما الخليفة فقد تم أسره وتم إجباره على مشاهدة دمار المدينة، ثم أمر هولاكو جنوده، فقاموا بلفه في سجادة، وأوسعوه ضربًا ودهسًا بالخيول حتى لقي حتفه. بعد أن ذبح هولاكو جميع الذكور واستباح المدينة التي سقط فيها حوالي المليون وثمانمائة قتيل لمدة أربعين يومًا، ثقل الهواء فيها بما حمل من رائحة الجيف المتعفنة وأشلاء القتلى المطروحة في شوارع المدينة، حينئذ فقط خرج هولاكو منها.

حسنًا، الأمور التي لا تمت للإنسانية تحدث دومًا. على بعد آلاف الكيلومترات، وبفارق زمني يقارب العشرين سنة تحديدًا عام 1236، وبعد الاستيلاء على قرطبة، فرغت قرطبة سريعًا من معظم سكانها المسلمين، واستخدم القشتاليون العمال والمهندسين المسلمين في تصميم مبانٍ وقصور وكنائس لهم على الطراز الأندلسي، وما لبثوا أن بدأوا بعد ذلك بالتضييق عليهم، ثم إجبارهم على اعتناق المسيحية من خلال محاكم التفتيش، وتم توزيع الأراضي والإقطاعيات على مهاجرين مسيحيين من الشمال أعادوا تعريف ديمغرافية المكان وطمس الهوية الإسلامية.

«تسألني لماذا توارت الأندلس وهلكت؟ فأقول لك: لأن الله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون».

تستطيع القول: إن الأيديولوجية الدينية لدى المسيحيين والمسلمين لطالما كانت جوهر الحروب التي خاضتها الأندلس. فتح الأمويون هسبانيا بجيش لم يزِد قوامه على ثلاثين ألف مقاتل. ثلاثون ألفًا؟! قد لا يكفي هذا العدد اليوم لفتح علبة التونة!

تسقط الأندلس كما تسقط أوراق الخريف، مدينة تلو الأخرى، والناس لا يلوون على شيء. على سبيل المثال: سقطت طليطلة بسبب الغباء، وعن طريق الخُدعة، وبهذا السقوط ضاع ثلث مساحة الأندلس تقريبًا، ومن ثم انقلبت الحالة العسكرية في شبه الجزيرة الأندلسية لصالح الممالك المسيحية التي كانت تتوحد بسعي خلف الكنيسة الكاثوليكية.

بعد هذا الانفراط المؤلم، اضمحلت دولة الإسلام في الأندلس إلى الجنوب، وتحديدًا في مملكة غرناطة (دولة بني الأحمر). استمرت مملكة غرناطة قائمة لأكثر من قرنين من الزمان متحدية الضغوط الإسبانية المتعاقبة؛ حيث لجأ كثير من المسلمين في الأندلس إليها.

في إحد الحلقات الأدبية التقيا ربما منذ مئات السنين.. شعرا بذلك منذ البادرة الأولى، جمالها امتزج بعذوبة مع رهافتها، دون أن يبخس ذلك من ذكائها، أميرة هي وشاعرة. في إحدى حدائق غرناطة الآسرة يلتقيان، ينصهر الروحان ويتبادل قلباهما المثقل بالوله والهوى شعرًا جامحًا، دون أن يتبصرا بما يخفيه لهما القدر الغادر ذو السوابق المشينة.

يُزج بطلنا في السجن ظلمًا، ويحكم عليه بالسجن الأبدي، ثم القتل، فينزف القلب كمدًا لإعراض الحظ، ولا رفيق له سوى الدمع الذي يجري على خديه شاقًا أخاديد وأنهار، ويربت عليه أسفًا ويحتضنه كما تحتضن يد الطفل الوليد إنسانًا محطمًا.

أربعون عامًا مضوا، هل مضوا حقًا؟! يخرج من السجن عفوًا ذاك الذي أعيته مسافات الهَجر، والحنين كان لحنًا خافتًا يصيح: غرناطة لن تخضع كسابقتها، يركض من ذاك الصندوق الأسود المتخم بآلامه، بوحدته، وهشاشة اللحظات.

إلى حدائق غرناطة اتجه صديقنا، أو قل ما تبقى منها واأسفاه.. هنا كان يلتقي بها.. لم تنأَ يومًا عن ذهنه، لم تبرح القلب لكأنما خلُدت فيه، ويتهامسان فيقول لها كما تخيلت أنا هذه العبارة: لا يفر المرء من قدره، فأنى لي الفرار من عيناك؟! ولو مرت السنون فأرواحنا معًا في الفراق وإلى الممات.

محمد الثاني آخر خلفاء الأندلس يسلم غرناطة لفرناندو الثالث ملك قشتالة وإيزابيلا الأولى، وكعادة الفنانين في إنتهاز الحدث؛ الرسام فرانسيسكو برديللا يوثق الفاجعة في لوحته الرائعة، الخلاصة: انتهى حكم المسلمين للأندلس. كانت هزيمة غير مكتملة الأركان، ربما كان هذا سائدًا حينئد، وتم تحديد شروط الاستسلام في معاهدة أطلق عليها (مرسوم الحمراء) وكان من شروطها أن يستمر المسلمون في ممارسة عاداتهم والحفاظ على دينهم. ولكن في عام 1499 قام غونزالو سيسنيروز بإصدار مرسوم قسري لتعميد غير المسيحيين قسرًا، وبالتالي ظهر مصطلح المورسكيين. كانت كِلتا الطائفتين (المسلمين واليهود) يعانون من الاضطهاد والإعدام والنفي، كانوا يمارسون شعائرهم في الخفاء.

وبحلول القرن السادس عشر أصبحت غرناطة مسيحية أكثر من أي وقت مضى وتوافد إليها مهاجرون من مناطق أخرى من شبه جزيرة أيبيريا. وتحولت مساجد المدينة إلى كنائس أو دمرت كليًا. وبعد هجرة معظم اليهود من المدينة، تم تدمير الحي اليهودي والذي يُسمى «الغيتو» لفتح المجال أمام مبانٍ كاثوليكية جديدة.

كم من ظلم وقسوة بغيضة تعرضوا إليها، أثق أنها ستظل تركة ثقيلة في عنق الدولة التي قامت على أنقاضهم مهما مر الزمان وعدّت الأعوام.

التاريخ لا يقول وداعًا أبدًا، التاريخ يقول سأراكم لاحقًا.

قال نيتشه يومًا: «أن نحيا هو أن نعاني، أن نبقى على قيد الحياة هو أن نجد معنًى ما في المعاناة».

ترى هل وجدت الشعوب معنىً في المعاناة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ويكيبيديا - الشعوب الأصلية في الأمريكتين
عرض التعليقات
تحميل المزيد