“إنهم من خلال أشرطة الفيديو التي ينشرونها على الانترنت يعممون بفخر مشاهد قطع الرؤوس والمذابح التي يقترفونها، ويتلذّذون بإطلاق النار الجماعي على السجناء، وإحراق أحد الطيارين حيا في قفص حديدي، وحبس السجناء في سيارة ليطلقوا عليهم قاذفة صواريخ، وربط آخرين من أعناقهم بسلسلة متفجرة، أو وضعهم في قفص حديدي ثم إغراقهم في الماء. إن “الدولة الاسلامية” تقول لعالم الصحافة: “نحن لسنا متعطشين للدماء ولسنا مرضى ولا فاسدين، إننا أفظع من ذلك!”

.

هكذا عبر الصحفي البريطاني روبرت فيسك في مقاله الصادر في صحيفة الاندبندنت يوم الأحد الماضي عن ذهوله بسبب ما يبثه تنظيم الدولة الاسلامية من مشاهد دموية مرعبة في اصداراته منذ اعلانه ما أسماه بالخلافة.

.
التنظيم الذي وصفته صحيفة الاكسبرس الفرنسية بـ”المتعطشين للدماء”، و”المرضى”، و”السفهاء”، و”اللئام”، و”الساديين”، و”الخسيسين” في مقالاتها، ربما يفتخر بهذه الأوصاف التي يرى فيها شهادة قوية أن ما يبثه على شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية قد وصل الى كل العالم وأصبحت كبرى الصحف العالمية تتابع بشغف ما يبثه للحديث عنه ونقده.

.

عندما يرجع بنا الزمن الى الوراء قليلا ربما يتذكر المتابعون كيف كان التنظيم وفي ظل الحملة الكبيرة التي شنتها عليه القوات الأمريكية والعراقية في السنوات التي سبقت اعلان تمدده الى سوريا يبث فيديوهات هاوية لا يشاهدها إلا بعض المتعاطفين معه أو بعض المتابعين والمراقبين لما تصدره التنظيمات الجهادية، أما الان فأصبحت قنوات عالمية كبرى مثل “سي ان ان” وغيرها تعلن أن التنظيم سيقوم بتنزيل اصدار ضخم عنوانه “لهيب الحرب” مع بث مقاطع من الشريط الدعائي للفلم، وهو ما كان اشهارا مجانيا تكلفته تتجاوز مئات الالاف من الدولارات اذا ما أرادت أي شركة أفلام عالمية أن تُشهر في القناة الاخبارية الأولى في العالم، بل وصل الأمر الى أن قناة أمريكية أخرى حملت هذا الاصدار على موقعها الخاص ليشاهد العالم بشاعة ما يقوم به تنظيم الدولة الاسلامية حسب تعبيرهم.

 .

مع أول أيام انزال الفلم التوثيقي لظهور داعش وتمددها الى سوريا، وصل عدد مشاهدي الاصدار الى مئات الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي و”اليوتيوب والديلي موتيون…” بفضل الحملة الاشهارية الكبيرة التي قامت بها قنوات اخبارية عالمية وصحف أجنبية وعربية عريقة بالإضافة الى أنصار التنظيم.

 .

الخبراء تحدثوا كثيرا في تلك الفترة عن التقنيات الحديثة التي استعملها مصورو التنظيم لإنتاجهم هذا الفلم الذي بلغت مدته 55 دقيقة و14 ثانية، وتضمن مشاهد عالية الدقة لمواجهات بين عناصر التنظيم وخصومه في كل من سوريا والعراق، ومشاهد اقتحامات وعمليات ” نفذها عناصره ضد  الجيشين السوري والعراقي، إضافة إلى مشاهد إعدامات لعدد من الأسرى لديهم.

 .

وبيّن الفيلم حيث التعليق باللغة الانكليزية والمرافق للترجمة العربية المكتوبة على المشاهد التي استخدمت فيها مؤثرات متطورة، أن لهيب الحرب “قد بدأ الآن”، وتوعد أميركا وباقي خصوم “داعش” بالمواجهة.

 .

وفي هذا السياق يقول الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية محمد أبو رمان:”نظرا لجودته الفنية والمهنية ورعب التكتيكات القتالية المصورة فيه، فاق الفيلم التوقعات، إذ حصل على أكثر من مليوني مشاهدة خلال ساعات، مما جعل إدارة موقع “يوتيوب” تعمل على تتبعه وحذفه في اليوم عشرات المرات”.

 .

لقد غيرت داعش من تكتيكاتها في تلك الفترة وأصبحت تستهدف المتابع الغربي أكثر من المتابع العربي ويعود أسباب ذلك الى أن استراتيجية التنظيم أصبحت مخاطبة العالم وليس مخاطبة العرب فقط، بل تطور الأمر في المدة الأخيرة عندما أصبح الاعلام الداعشي البديل يوجه رسالات متنوعة لأكثر من دولة بلغاتهم هم وليس بالعربية أو بالانكليزية فقط، وهو ما يمثل تحديا جديدا أمام الحكومات الغربية لأن مضمونها تحريضي بالأساس.

.

فكل ما يبثه التنظيم من فيديوهات ما هو إلا توثيق احترافي للعمليات التي يقوم بها في مناطق تواجده،وكل ما يتم عرضه من مشاهد فهي واقعية كما أكد ذلك عدة خبراء في مجال التصوير والمونتاج، وفي تعليقه على ما تبثه داعش من اصدارات  دموية أكد الدكتور صبرة القاسمي أحد الجهاديين المصريين سابقا ومؤسس الجبهة الوسطية لنبذ العنف ومقاومة التطرف أن الجهاز الاعلامي لتنظيم الدولة قد تفوق على هوليود لواقعية المشاهد المصورة وعنفها وجذبها للمشاهدين ورسائلها المباشرة وغير المباشرة التي تريد ايصالها بالإضافة الى وضوح شخصيات التنظيم وحقيقتهم، في حين تسوق هوليود للحلم الأمريكى، ويسوق “داعش” للحلم الإسلامى السني “الخلافة” حسب تعبيره.

.

ان التنظيم يقود حربين اليومين، حرب بالسلاح وحرب على العقول والمشاعر وهو ما ساعده في استقدام مئات المقاتلين الى أراضيه وآلاف من الأنصار والمتعاطفين في الفضاءات الافتراضية ممن أعلنوها حربا الكترونية وتحديا جديدا للحكومات الغربية التي صرفت ملايين الدولارات من أجل تتبع الحسابات وإغلاقها لأجل ما تقوم به هذه الحسابات من دعم لا متناهي ونشر غير محدود لكل ما يصدره التنظيم من مواد سمعية وبصرية وبيانات مكتوبة في المدة الأخيرة.

.

من المؤكد أن رهان داعش على الدموية في اصداراته لم يكن أمرا اعتباطيا، بل هي سياسة ممنهجة ينتهجها لمخاطبة خصومه بالفعل لا بالقول فقط، أي أن فيديو واحد يحتوي على مشاهد قتل وتنكيل بالجثث له وقع كبير على المتابعين ممن يسميهم “بالأعداء والخصوم والمرتدين والصحوات” وغيرها من النعوت الأمر الذي ربما كانت من نتائجه هرب الالاف من الجنود العراقيين من المدن التي كانوا يسيطرون عليها عندما دخل مقاتلو التنظيم، ما دفع أحد المسئولين السابقين في وزارة الدفاع الأمريكية الى القول “ان على عناصر الجيش العراقي أن يكونوا رجالا ولا يهربوا عند مواجهة داعش” لكن هذه المشاهد منعت التنظيم من ملايين المتعاطفين ممن يسميهم “عوام المسلمين”.

.

المتأمل في أدبيات الحركات الجهادية يلاحظ أن “الرعب والصدمة والإخافة” هي أدبيات رئيسة عندهم من أجل بث الخوف في صفوف خصومهم ممن تصلهم إصداراته، لكن تنظيم الدولة تجاوز كل هذه الأدبيات واتخذ من الوحشية والفظاعة في اصداراته الهوليودية هدفا، وهو ما دفع عديد المراقبين والخبراء في مجال الإعلام الى القول “إن داعش” نجح في حربه الإعلامية، حيث تنشر على الإنترنت مواد فيلمية مدروسة، سواء ما يتم استخدامه لاستقطاب مزيد من الشباب والمقاتلين، أو تلك المواد المرعبة التي يتم استخدامها في تخويف الأعداء والخصوم لدفعهم إلى الهروب خوفاً قبل أن يتم قطع رؤوسهم بالسكاكين في حال وصل مقاتلو “داعش” إلى المناطق التي يتواجدون فيها.”

 .

وأخيرا يمكن الجزم بأن التنظيم قد بالغ كثيرا في عرض المشاهد الدموية وفيديوهات الذبح والقتل والتنكيل في أغلب إصداراته، لكننا في نفس الوقت الذي تبث فيه داعش بربريتها تطالعنا فيديوهات مسربة لعناصر من الجيش الأمريكي يتبولون على جثث مقاتلين من طالبان ومشاهد أخرى لبعض الجيوش الافريقية تقوم بالذبح والتنكيل بالمسلمين في مناطق متفرقة من افريقيا الوسطى ونيجيريا وكينيا ،كما لا يمكننا أن ننسى ذكر تلك المشاهد المنشورة في مواقع الانترنت لما يقوم به الجيشين العراقي والسوري من حرق وذبح وقتل وتنكيل بالأبرياء والمساكين، وهو ما يعني أن داعش ليست الحركة الدموية الوحيدة في هذا العالم، بل كثيرون مثلها، جماعات وأفراد.

 .

ولعلنا لن نكون أبلغ من روبرت فيسك عندما قال في مقاله المشار اليه انفا في سياق تفسيره لهذه الوحشية المفرطة في فيديوهات التنظيم”نستطيع أن نتعقب جذور هذه الطائفة من النفوس الضائعة في العقود الصعبة التي جثم فيها المستبدون في الشرق الأوسط ــ وفي غالب الأحوال بدعم  منا ــ على صدور شعوبهم، أو مئات الآلاف من القتلى المسلمين الذين كنا مسئولين عن وفاتهم أثناء وبعد غزونا البشع – أو “المتعطش للدماء”، أو “السفيه”، أو “الحقير” ـــ  للعراق سنة 2003.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد