رأيت فيما رأيت، رأيت ملكًا وقبلة المسلمين من خلفه، يقال إنه خادمها وما رأيته إلاّ خادمًا لأصحاب الفيل.

رأيته يلبس عمامة بيضاء، يراقص بحركات ثقيلة شيطانًا نجح في كسر أصفاد كبّلته في شهر رمضان فانبرى إلى المدينة مطالبًا بحصّة بنيه من مال المسلمين.

رأيت ملكًا آخر فوق برج العرب متمتمًا: إن أخانا بالجوار أحبّ إلى العرب منّا، إنّ العرب لفي ضلال مبين.

رأيته يصيح في قوم فاسقين متسلّحين بالأقلام يعتلون «سماء العربيّة» قائلًا: أن ألقوا بأخانا في غياهب الجبّ، اقتلوه أو اطرحوه أرضًا، حاصروه وافتروا عليه زورًا وبهتانًا، حتّى إذا ما خارت قواه يخل لنا وجه أمّتنا فنكون من بعده قومًا حاكمين.

رأيته يشير بإصبعه نحو جزيرة لم يجد العرب في سواها منبرًا يلعنون فيه كلّ منّاع مريب.

جزيرة يرى فيها كلّ جبّار أثيم نارًا كنار جهنّم حين يخرج منها عنق مناديًا أن وُكِّلتُ اليوم بثلاثة؛ بكلّ جبّار، ومن جعل مع اللّه إلها آخر، ومن قتل نفسًا بغير نفس، فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمرات الجحيم.

جزيرة وُكِّلَت بكلّ طاغية، ومن صاح كما صاح فرعون في قومه أن أنا ربّكم الأعلى فاعبدون وبكلّ من سجن وعذّب وقتل مواطنًا بغير حقّ، انطوت عليهم فألقت بهم في غمرات جحيم الشّعوب.

جزيرة أقلقت مضجعه فرأيته يصيح في حرّاسه أن دمّروها تخل لنا السّاحة من كلّ رقيب عتيد، فنعيث في الأرض فسادًا ونفعل ما نريد.

رأيت فيما رأيت، في شوارع أسوان المصريّة، حمارًا يركب «حنطورا» يهرول به نحو الجزيرة العربيّة ليفرّط في أرضه وعرضه.

رأيته يمدّ يده إلى جيوب الفقراء ليزوّد جرايات الأغنياء بدعوى أنّ العيب في زماننا زمن الصّعاليك، مردّدًا إن الصّعاليك يتربّصون بالمحروسة.

ولو كان زماننا زمن الصّعاليك لبعث في أرض النّيل صعلوك كعروة بن الورد ليسطو على أموال علية القوم من سكّان القصور وأصحاب الفنادق وبائعي الحشيش والخمور، ليطعم الغلابة، قاطني العمارات المتهاوية، ذات الجدران المشقّقة، قاطني الأنهج والقبور.

رأيته يسحل النّسوة ويحطّم الجماجم ويحرق الجثث، رأيته يملأ السّجون ويطلق كلابه خلف الشّباب والكهول.

رأيته يقطع رأس من أعلنها مدوّية إنه لا يقبل الضّيم حتّى إذا فرغ من أمره خطّ بيدين مخضّبتين بالدّماء قائمة شخصيّات يرى إنّها إرهابيّة.

رأيت فيما رأيت، شيخًا أعور وقد احتلّ المحراب قبل أن يُمنح محرابًا آخر حيث تحيط به آلات التّصوير، يجلس لتزيّن إحداهنّ وجهه بالمساحيق أملًا في أن يسرّ النّاظرين، يقاطع بين الفينة والأخرى إعلانات «جهينة» و«فودافون» ليقصّ على السّامعين ما آتاه اللّه من فقه في الدّين.

حفظ الأحاديث كلّها إلاّ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر».

ورأيت مسخًا يحفر قبورًا في أرض عمر المختار تمهيدًا لحرب يعتلي على إثرها كرسيّ حكم بلد المليون حافظ لكتاب الله «القرآن» بعد أن أجهض ثورتها واستعان بالمرتزقة من كلّ مكان.

ورأيت عمران بعد سنوات طويلة، يحدّق بنفس تلك النّظرات في بشّار متسائلا، كيف لمن صيّر منزلي حطامًا وحطّم في مسابقات الإجرام أرقامًا أن يبقى لسنوات وسنوات أخرى طويلة رئيسًا لسوريا.

رأيت فيما رأيت، صبرا وشتيلا من جديد في غزّة، رأيت بحرها وقد صار أشبه بشواطئ اليونان حين لفظت «إيلان» وسماءها كسماء الرّقة، حمراء كسقر، وقد غطّت زرقتها أسلحة لا تبقي ولا تذر.

رأيت جنودًا وبين أيديهم «الكفتة» يجتاحونها، فيردون إخوة لهم بين قتيل وجريح.

رأيت سنوات ربّما هي سبعة أو أكثر، تأكل فيها بقرات عجاف بقرات سمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد