حسنا قد فعل مروان حامد، عندما عمد إلى رواية الفيل الأزرق لأحمد مراد ليحولها إلى فيلمٍ سينمائي؛ فثمة روايات خُلقت لتكون أفلامًا، وهذه على رأسهم بلا شك؛ فرواية مراد رواية مشهدية بامتياز، ولا غرو فكاتبها الذي لا يُمارى في موهبته السردية والتي أفصح عنها منذ البداية (كما يؤكد الناقد الكبير فيصل دراج)، هو مصور سينمائي قبل كل شيء، وقد كتب بذهنية المصور هذه رواية تقرأها كأنك تراها. ليس من همي هنا في واقع الأمر أن أناقش الفيلم بما هو كذلك، وإنما سأيمم وجهي تلقاء الرواية نفسها، مُجليا أهم ما بدا لي من شأنها.

 

أية رواية تلك التي توشك طبعتها العاشرة على النفاذ، فقط بعد ما يقرب من عامين من طرحها على موائد القراء، وكادت بالفعل أن تظفر بجائزة البوكر العربية؟ إلى أي نمط من أنماط السرد تنتمي؟ ولماذا حظيت بهذا القدر من رضا العامة، ولم تُحرم أيضا من رضا أذواق النقاد؟ الحال، أن عمل مراد هذا تلوح على قسماته وبوضوح لا تخطئه عين، سمات الرواية ما بعد الحداثية، لن أخوض في جدال نظري مرير عن هذا المفهوم وتاريخيته ورموزه، وإنما سأقتنع في هذا السياق بتجريد أهم خصائص السرد ما بعد الحديث التي توافرت عليها رواية مراد:

 

أولا؛ من أهم سمات السرد ما بعد الحديث، أنه يروم نسف الحدود الفاصلة بين ما يُسمى بالأدب الشعبي أو الجماهيري (أو البارا أدب) وبين ما يُسمى بالأدب الرفيع. والأدب الشعبي وصف عامة ما يُطلق على المادة الأدبية الرائجة بين عامة الناس، والتي لا تخضع لمعايير الذائقة الفنية الرفيعة، كقصص الرعب، والقصص المصورة، وقصص المغامرات والألغاز ،.. يرى السرد ما بعد الحديث في هذه القسمة الثنائية ضرب من التمركز حول نمط من الأدب (الأدب الرفيع)، في مقابل تهميش وإقصاء نمط آخر (الأدب الشعبي)، دونما وجه حق، وما بعد الحداثة في جوهرها هي محاولة لرد الاعتبار إلى هذا المهمش المقصي. ولكنها لا تقع في مركزية مضادة؛ بحيث تدعو للتمركز حول هذا الهامش، وتنصبه على عرش المركز الذي سيتم إقصاؤه بدوره جزاءً وفاقا، وإنما هي تسعى لهدم هذه الثنائية من الأساس رفيع/شعبي، بحيث لا يصير ثمة مركز في مقابل هامش، وإنما يُنظر للجميع بعين واحدة. ومن هنا اتسم السرد ما بعد الحديث بكثافة الاستعارة من الأدب الشعبي، هذه الاستعارة ليست محض استنساخ، وإنما تُمارس عليه تقنيات الأدب الرفيع، مما يكسبه قدرًا من الجمال والصرامة، لنحصل في النهاية على منتج هجين من كليهما.

 

عمد مراد في واقع الأمر إلى ضرب من ضروب الأدب الشعبي: قصص السحر والشعوذة، فـشريف الكردي الطبيب النفسي، والذي يحيا حياة سعيدة بين بيته في أبراج عثمان بالمعادي، وعمله في مستشفى باهمن النفسية بحلوان، سيتلبسه شيطان لعين يُقال له نائل بفضل أعمال السيدة “ديجا” السحرية التي سيقع شريف في حبائلها من حيث لا يدري، ستتدمر حياته تماما؛ يقتل زوجته ويُدفع به لمستشفى العباسية للصحة النفسية لتقييم حالته النفسية، وهناك سيلقى زميل الدراسة ورفيق اللهو يحيى راشد، العائد لتوه بعد خمس سنين خلت من الانقطاع عن العمل، ليغرق معه في بحر لجي يختلط فيه الطب النفسي مع السحر. محور الرواية إذن مستعار من قصص السحر، وهي ضرب من ضروب الأدب الشعبي، المتسم بصِوره النمطية، والتي يعد استخدام السحر في التأثير على طبيعة العلاقة بين المرء وزوجه واحدة من أهمها، وهذا ما فعلته السيدة “ديجا” ووشمها حرفيا مع بسمة زوجة شريف، والتي انتهى بها الأمر بأن صار “جسدها خرقة مستعملة حلقت من السماء السابعة إلى الأرض، قبل أن يمر فوقها بابور زلط صدئ..”

 

ثانيا؛ امتاز سرد ما بعد الحداثة بإعادة الاعتبار للحبكة الروائية، حيث تُنسج بعناية فائقة ليسقط القارئ في شراكها مستسلما، عندما تقرأ رواية كلاسيكية كالإخوة كارمازوف على سبيل المثال، فإنك لا تجد للحبكة شأنا يُذكر ، ومن ثم أن تُصاب بالملل لهو أمر محتمل وبقوة. ولكن في رواية ما بعد الحداثة تغير الحال؛ فلما لم تعد تلك الرواية تنهض على معانٍ عميقة كتلك التي يمحور دوستويفسكي عليها أعماله مثلا، لم تبق إلا الحبكة كسبيل وحيد لإجبار القارئ على إتمام قرائتها.

 

نسج مراد حبكته بقدر من الإتقان، يأخذك بسلاسة ولا تقوى على الإفلات منه، ينسجم القارئ تماما مع بطله يحيى وهو في صحوه غير المؤكد أو وهو في أحلامه المذهلة . وهو مع مايا اللعوب وأفيالها الزرقاء، أو مع لبنى الحبيبة المشتهاة التي حيل بينه وبينها. مع عوني وحشيشه المغربي أو مع سامح رفيق المهنة اللزج والغيور الناقم، أو مع مديرته صفاء التي لا تشبع من تأنيبه. ثم وهو مع صديقه شريف. يربط مراد باقتدار بين كل هذه الخيوط بحيث لا يستطيع القارئ أن يفلت من يحيى ولو بشق الأنفس.

 

ثالثا؛ يحرص السرد ما بعد الحديث على استدعاء التاريخ، ولكن ليس بوصفه مرجعًا أو حكمًا قيميًا وإنما كخادم من خدمة السرد، يحضر التاريخ باحتشام في الفيل الأزرق (ولكن سيصير له الغلبة في عمله التالي 1919)؛ فها هو يحيى يعثر على صفحات تاريخ الجبرتي في بيت شريف، وسيأخذه أحد أقراص الفيل الأزرق لأحداث وشخصيات وأماكن قد أرخ الجبرتي لها فعلا.

 

رابعا؛ اللغة الهجينة المشتتة سمة رئيسة للرواية ما بعد الحداثية، كضرب من ضروب التحرر من سلطة اللغة الرسمية، وخروج عن قواعد الأسلوب القارة التي فرضتها الرواية الكلاسيكية. ولغة مراد لغة “هجينة” تماما، تختلط فيها الفصحى الجزلة مع العامية المبتذلة، جنبا إلى جنب مع كلمات إنجليزية تطعم الحوار من حين لآخر. لم تعد إذن اللغة الصارمة تستبد بالرواية، وإنما أفسح المجال للهجات وأساليب مختلفة تزاحمها، نجد التناص مع النص القرآني الجزل “لم أنظر ورائي كما فعلت امرأة لوط” (سيستعير نفس التعبير في 1919)، “لبثتُ ساعة أو بضع ساعات، هكذا ظن فتية الكهف يوما …” وبجواره الأسلوب العامي المبتذل “دي كلها حاجات بتطلع في الغسيل”، “هطلع ميتين أمك،..”، بينما تتوزع الشتائم الفاحشة بسخاء كلما جاءت مناسبة “Bitch، Mother fucker، يا بنت الوسخة …”

 

خامسا؛ تتناسق الرواية ما بعد الحداثية مع النزعة الاستهلاكية التي تشرط المجتمع ما بعد الحديث؛ فالثقافة ومنها الرواية صارت هي نفسها خاضعة لمبدإ الاستهلاك. يمكننا أن نسم هذه الرواية إذن بأنها “رواية استهلاكية” تماما كأي سلعة. عمل مراد متخم بشدة بالسلع، بداية من مايا التي يُنظر إليها ك”ماكينة Harley Davidson لون كريمي طراز Fat Boy 132..” مرورا بنظارة يحيى الـ Ray-Ban، وسجائره الـ Golden Virginia، ووصولا إلى العدد الرهيب من أنواع المسكرات الذي حرص مراد على تثقيف قارئه بها: Meister, Chivas, absinthe, Jack Daniel’s, Johnnie Walker, …

 

سادسًا: امتياز السرد بالتشتيت والالتباس، بحيث يتم تغريب القارئ، فيجد نفسه وقد زج به في أتون أحداث غير منطقية، تستعصي بدرجة كبيرة على التنظيم والفهم. يهدف هذا التشتيت لسحق أمل القارئ في الخروج بحقيقة واضحة ومحددة تنتهي إليها الرواية، وإنما يُترك غارقا في عدد يزيد أو ينقص من الاحتمالات الممكنة. لا يدري قارئ مراد على وجه اليقين هل يحيى في صحو أم أنه في حلم آخر؟ هل هو شخص معافى أم شخص عليل نفسيا مصاب بهلاوس وضلالات؟ ولو كان سليما فكيف له أن يرى “عم سيد أشهر مرضى المستشفى”، والذي أكدت لنا ممرضة ما أنه قد مات منذ أمد! هل يحيى مسحور هو الآخر؟ ولو كان فمن سحره إذن ومتى؟ هل هو قميص المأمون الذي سرقه شريف من المتحف الإسلامي؟ أم تعاليم الكتاب الذي ظفر به يحيى من محل ديجا اللعينة؟ هل شريف مريض نفسي؟ هذا ما يعتقده القارئ طوال الوقت حتى نكتشف أنه “ملبوس” في نهاية المطاف. من ذا الذي كان يتحدث مع يحيى في الهاتف؟ شريف أم هلاوس مرضية؟ هل تزوج يحيى لبنى حقا، أم كان ذلك مجرد حلم عنيف من آثار قرص الفيل الأزرق الأخير؟ من تسبب في قتل مايا نائل أم يحيى؟ التباس لا يستطيع القارئ حسمه، التباس قد يُنظر إليه كثغرات فنية تقدح في جودة الحبكة، ولكنه في الواقع سمة من سمات السرد ما بعد الحديث.

 

سابعا؛ الحرص على توظيف المعرفة العلمية في المتن السردي، تقدم المعلومة هنا كـ”سلعة” يستهلكها القارئ، تضفي هذه السمة ضربًا من الصرامة على الاستعارة الشعبية التي يتبناها الروائي، أيضا تُشعر القارئ بقدر لا بأس به من الجدية، لا يقرأ هو إذن رواية ألغاز تافهة وإنما ثمة معرفة حقيقية وشيقة بين يديه. اختار مراد الحقل الطبي والطب النفسي تحديدا ليقدم منه لقارئه هذه الوجبة المعرفية المثيرة. سعى مراد في الفيل الأزرق لتزويد قارئه بمعلومات حول السكيدزوفرنيا (الشيزوفرنيا/الفصام) أعراضها وأنواعها المختلفة. والحق أن مراد قد أحسن قولا عندما سعى لتغيير الصورة النمطية عن السكيدزوفرنيا في الخيال الشعبي بوصفها انفصامًا في الشخصية (المريض يعيش بشخصيتين مختلفتين).

 

في جمل حوارية كثيرة حاول مراد تعليم القارئ أن ثمة فرق فظيع بين السكيدزوفرنيا وبين ما يُعرف بازدواج الشخصية multiple personality disorder أو dissociative identity disorder. وأن هذا الأخير لم يحسم أمره تجريبيا بعد. فقط استوقفني في جمل مراد الحوارية التي ذكر فيها بعض أنواع السكيدزوفرنيا (وهي: catatonic, paranoid. Disorganized. Undifferentiated. Residual ) تحدث مراد عن ما أسماه فصام هيبفريني، والحال أن هذا هو الاسم القديم للـ disorganized schizophrenia وقد وصفه مراد في جملتين حواريتين بأنه الوحيد من بين كل الأنواع التي يمكن للمريض به أن يتسم بالعدوانية، وصراحة في حدود دراستي الطبية وما اطلعت عليه من مصادر في هذا السياق لم أر من نص على كون مريض هذا النوع وحده هو من يمكن أن يتسم بالعدوانية.

 

في سياق آخر أقحم مراد علبة ال Zyloric 300 في دولاب شريف، وربط بينها وبين طلب شريف/نائل مزيدا من الملح في طعامه، حيث استغرب مراد على لسان يحيى مخاطبا لبنى، بأنه كيف لمن يأخذ ال Zyloric أن يطلب مزيدا من الملح في طعامه. والحق أن حشر هذه المعلومة فيه أولا نوع من التكلف، ثم ثانيا يستبطن تصورا منتشرا أيضا في الخيال الشعبي عن علاقة ملح الطعام NaCl بالأملاح التي تترسب في الكليتين (أملاح الأوكسالات واليوريا) فواقع الحال أن ال Zyloric يعالج زيادة حمض البوليك uric acid في الدم (النقرس) الناتج عن خلل في metabolism (أيض) البروتينات في الجسم، وليس له علاقة بملح الطعام.

 

أيضا أحسن مراد توظيف مادة الـ di methyl tryptamine (DMT) أو قرص الفيل الأزرق الذي جعل من اسمه عنوانا لروايته؛ وذلك لأن هذه المادة المنتمية لما يسمى بـ psychedelic drugs كفيلة بأن تجعل يحيى يرى كل ما رآه فعلا. فقط ما كان يجدر بمراد أن يذكره طالما هو في سياق علمي، أن هذه المادة لا تكون بحال ذات مفعول يُذكر إذا ما تناولها المرء من دون مادة تنتمي لما يُعرف ب ال MAOIs.

 

ثامنا؛ يقول جيل ليبوفتسكي أن “سرد ما بعد الحداثة هو سرد بلا أي ادعاء..”. هو سرد إذن ولكنه “عارٍ” من الحكمة، أو قل هو “ميتا سردا”، ليس ثمة معانٍ متعالية أو أيديولوجية تنهض عليها الرواية، وإنما هي محض سرد أحداث تجر وراءها أحداث. سرد سطحي تماما يؤمن بمقولة بول فاليري “والجلد هو أكثر الأشياء عمقًا”. الجلد هو السطح نعم ولكن ليس ثمة عمق يثوي تحته، ليس ثمة حقائق أو شبه حقائق ستقاتل الرواية من أجلها، اقتداء صارم بإميل سيوران وهو يقول “لم نعد نريد أن نتحمل ثقل الحقائق، ولا أن ننخدع بها أو نتواطئ معها، إنني أحلم بعالم قد نقبل فيه الموت من أجل فاصلة!”

 

نص الفيل الأزرق هو نص بعمق الجلد، بريء من المعاني ومن ثقل الحقائق، لا مكان فيه لأسئلة وجودية، وليس من مشاغله التفتيش في خفايا النفس البشرية، ليس على القارئ فيه أن ينتظر اللحظة التي سيندم فيها يحيى عن معاقرة الخمر والقمار، أو التي سيكف فيها عن ترك بصماته “على عدادي سرعة مايا المدللين” قبل أن يقتلها نائل اللعين أو فيل أزرق مهتاج، لا مكان في سرد ما بعد الحداثة لهذا الترف الذي تبين عدم جدواه، علينا أن نعيد لـ”اللاعقل” اعتباره، فيحيى الطبيب النفسي في نهاية المطاف لم يكن عليه أن ينقذ صديقه بالـhaloperidol أو ب الـ Aripiprazole وإنما كان عليه أن يتعلم بعض التعزيمات التي ستفك طلاسم ديجا السحرية!

 

إنها “رواية استهلاكية” تتلائم تماما مع الشرط الاستهلاكي الذي نحياه، التشويق والإبهار كفيلان بألا يترك قارئ مراد الرواية من يديه حتى ينهيها، اللغة السلسة الأنيقة والهجينة ستجعل عينيه تلتهم السطور التهاما، التخفف من ثقل المعاني سيتيح له حمل الرواية في كل مكان، المعلومات الشيقة المنثورة في ثناياها ستشعر القارئ بعدما ينهيها بأن شيئا مُهمّا قد حدث، سينهيها ويضعها جانبا وكله فخر ويخرج صافعا الباب خلفه منتشيا بنصره غير المستحق على أية حال..!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد