(1) قد تستيقظ في لحظة هشّة من حياتك لا تحمل بعدها حبًا

يبدأ الفيلم بفتاة صغيرة تبحث عن كلبتِها، فتذهب لتوقظ أباها كي يذهب للخارج بحثًا عن الكلبة، يستيقظ Dean ويخرج بحثًا عن الكلبة ليظهر لنا شخصًا مُرهَقًا يبحث بلا اهتمام فتسأله ابنته «فرانكي»

– متى ستعود «ميجن»؟

= دعينا نضع بعض الماء والطعام في صحنها، وعندما تجوع سوف تعود لتأكل، أليس كذلك؟

ربما لا يكترث «دِين» لما رحل عنهم فجأة لأنه ما زال يحمل يقينًا بداخله بأنها ستعود عندما تجوع، «دِين» رجل غير طموح يشرب كثيرًا كي يستطيع الذهاب لعمله ليطلي المزيد من البيوت، لا يكترث غير بسعادة «فرانكي» وزوجته «سيندي» التي تعمل ممرضة في عيادة بعدما كانت تحلم بالعمل طبيبة.

تظهر «سيندي» لأول مرة وهي تستيقظ بصعوبة ولا تحمل بداخلها حبًا لعملها، للنقطة التي توقف عندها «دِين»، في النهاية تستيقظ «سيندي» لتبدأ ما تفعله كل يوم، إلا أن ذلك اليوم عليها الذهاب بعد العمل لتشاهد «فرانكي» في مسرحية بمدرستها، أثناء قيادتها تجد الكلبة ميتة ملقاة على جانب الطريق.

المخرج «ديريك سيانفرانس» أجاد استخدام الرموز في فيلمه، استخدم الكلبة وسيلةً يعرف من خلالها «دِين» أن ما كان عليهم نسيان الباب مفتوحًا للكلبة من البداية، فما يُفقد قد يرحل للأبد حتى لو حاول العودة بسبب جوعه.

(2) ما بين الماضي والحاضر

الفيلم يبدأ بالحاضر من خلال علاقة الزواج ما بين «دِين» و«سيندي» على منحنى الانهيار، وفي نفس الوقت بشكل مواز علاقتهما في الماضي على منحنى السعادة، يتطور المنحنيان طوال أحداث الفيلم كي يلتقيا عند نقطة الذروة في آخر مشهد في الفيلم.

استطاع «ديريك سيانفرانس» أن يفصل بين القصتين بطرق كثيرة أهمها التصوير:

في الماضي، كان التصوير بكاميرا واحدة محمولة تأخذ مشاهد طويلة دون انقطاع من خلالها يشعر المشاهد بمشاركته في أحداث المشهد وتورطه في حب علاقة «دين» و«سيندي»، بينما في الحاضر يُخصِّص كاميرتيْن لكل ممثل، كلٌ منهما مثبت على مسافة بعيدة وتُقطع الصورة كثيرًا في المشهد الواحد لينقلك لحالة عدم الارتياح التي يشعر بها كل منهما تجاه العلاقة.

في مشاهد الماضي، تُظهِر الكاميرا أجسامهم كاملة تملأ معظم الشاشة ويتركهم المخرج يتحركون بحرية في المشاهد لتنتقل لنا السعادة والحرية نتيجة لزيادة منحنى حبهم، وعندما تُظهر الكاميرا واحدًا منهم بدون الآخر نجده يتحدث عن الآخر/ ينتظره/ يفكر فيه ليجعل المُشاهِد يستحضر الشخص الآخر في الكادر دون تفكير

مشهد من فيلم Blue Valentine

المشهد الأول «سيندي» تُفكر في «دين»، والثاني «دين» في انتظار «سيندي»

في الحاضر، في معظم المشاهد يظهر في الكادر رأس وكتف فقط، لم تعد أهمية لباقي أجسامهم فأصبحت حريتهم وأفكارهم محبوسة في رؤوسهم، أيضًا استُخدِمت الإضاءة بشكل جيد لرسم فاصل بينهم وخلق مسافات في نفس الكادر.

استخدام الكاميرا والإضاءة لخلق فواصل بين «دين» و«سيندي» أثناء وجودهم بنفس الكادر

استخدام الموسيقى كان أحد العوامل الرئيسية لنقلنا بين الفترتين؛ ففي الحاضر لم تتواجد الموسيقى لتظهر المشاهد فاترة ومع نهاية مشاهد الحاضر تبدأ الموسيقى لتنتقل بنا للماضي, بجانب اختياره للأغاني:

It’s a fear, it is near, the shape becomes ever clear

It barely teeth, extra sharp, that’ll cut you in the heart

….

There’s no use, give it up, this is life and this is love

استمع لتراك النهاية

بكلمات قليلة اختصر بها حالة الفيلم بأكمله، يختصر حالة الخوف والإحباط التي تتراكم مع كل مشهد من الفيلم، حتى تصبح الصورة كاملة في النهاية، لم تعد للمحاولات أهميّة، ليس علينا سوى الاستسلام لطبيعة القدر.

مشهد لتراك «you always hurt the ones you love» بصوت «ريان جوسلينج»

من ضمن محاولات «ديريك سيانفرانس» أن تسيطر التلقائية على مشاهد الفيلم, طلب المخرج من بطلي الحكاية عدم إخبار أي منهما للآخر عن تفاصيل الموهبة التي سيظهر بها في المشهد, أدّى «ريان جوسلينج» الأغنية بصوت «مُتهكِم» – كما وصف نفسه – مشابه لطريقة أداء دكتور «هاوس» لنفس المقطع, استحق عليها تلقائية «ميشيل ويليامز» وهي تقول: «You’re actually good

«ديريك سيانفرانس» استطاع أن ينقلنا بسلاسة وجمال طوال الفيلم بين جمال وحيوية الماضي وبين إحباط وسكون الحاضر.

(3)

أتعلم شيئًا؟ أعتقد أن الرجال أكثر من النساء، عندما نتزوج فإننا نتزوج فتاة واحدة، بتلك الفتاة ونعتقد أننا سنكون أغبياء إذا لم نتزوجها لأنها رائعة.. ولكن يبدو أن الفتيات يفكرن بانتقاء أفضل الخيارات أو شيء من هذا القبيل أعني أنهن يقضين حياتهن بالبحث عن أمير جذاب ثم ينتهي بهن الأمر بالزواج من رجل لديه وظيفة جيدة ويبقى دائمًا معهن.. – دِين من فيلم Blue Valentine

تأخر بداية تصوير الفيلم بسبب وفاة هيث ليدجر احترامًا لبطلة الفيلم ميشيل ويليامز حبيبة ليدجر وأم ابنته، وببداية التصوير كان الاتفاق على الانتهاء أولًا من تصوير مشاهد الماضي في أول ثلاثة أسابيع، ثم الانتظار لعشر سنوات لتصوير فترة الزواج «الحاضر»، طاقم العمل استطاع إقناع المخرج بالاكتفاء بشهر فقط يعيش فيه «ريان جوسلينج» و«مشييل ويليامز» في بيت واحد بميزانية صغيرة وممارسة الحياة الروتينية وفتح الكثير من النقاشات لتحويل الزوجين لمنحنى الانهيار.

«ديريك سيانفرانس» اعتمد على ارتجال الممثلين في المشاهد، فمثلًا كان يطلب من «سيندي» أن تظهر توترها لكن تحتفظ بسرٍ/ مشكلة فلا تبوح به لـ«دين»، بينما يطلب من «دين» أن يفتعل أي شيء كي يقنع «سيندي» أن تحكي له، فينتج مشهد يتسلق فيه «دِين» سياج الكوبري ليقفز كي تخبره «سيندي» ما الذي يجعلها حزينة.

من فيلم blue Valentine

(4)

هتطير, ولا راح تتقل على كتافهم، ولا تتسمّر في نور الأرض؟ ولا بعد الناصية راح نِعْمَى يا حبيبتي للأبد عن بعض

– فؤاد حداد

رسمة على ذراع «دِين» الأيسر، تعود لكتاب «The giving tree» يحكي عن التضحية بكل شيء من أجل الآخر, رمز أجاد استخدامه «ديريك سيانفرانس» لنعرف من خلاله جيدًا شخصية «دِين» فهو رجل يمكنه التضحية بكل شيء من أجل «سيندي».

من فيلم Blue valentine

«دعينا نذهب خارجًا، علينا الذهاب خارجًا.. علينا الخروج من هذا المنزل، دعينا نذهب لاحتساء الشراب وممارسة الجنس».

في محاولة أخيرة من «دين» للاحتفاظ بحبهم حتى لا «تَعْمَى» سيندي عنه للأبد، محاولة نعرف معها إلى أي مدى تضررت العلاقة بدون التعرض للأسباب التي أدت بهم لتلك النقطة من المنحنى، محاولة لن تستطيع بعدها التعاطف مع واحدٍ منهما على حساب الآخر.

فيلم «blue valentine» يحكي عن العلاقات كيف تبدأ وتنتهي، رُشح لأوسكار أفضل ممثلة.. لا يُنصح بمشاهدته لأصحاب العلاقات الضعيفة فقد تحتاج لتمثيل فيلم كوميدي تخرج به من حالة الاكتئاب كما طلب الدكتور من «ريان جوسلينج».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

Blue Valentine, أفلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد