لم تكن تلك المرة الأولى التي يندس فيها هذا الفاصل الليلي بين كوابيسي المتصلة في نومي “المدعى” كل ليلة، عندما واردني على هيئة اتصال هاتفي من رئاسة الجمهورية باستهلال المتحدث: “الرئاسة معجبة جدًا بمشروعكم وعارفين أنكم محتاجين مكان ذو مساحة لاحتضان الاجتماعات والتحضيرات” ليكمل: “مي، تقدري تيجي بكرة تستلمي مسرح الفردوس”
أقر وأعترف أنا كاتب تلك السطور أن مجرد علمي بأن هذا الاتصال وارد من الرئاسة ذاتها كان المسيطر على كامل طاقتي الذهنية، سواء كبطل في هذا المنام أو كمشاهد له مستلقٍ على سريره في العالم الحقيقي. أنهيت المكالمة، وكانت علامات المفاجئة غير المفسرة هي المسيطرة على وجهي بل وكل ما يكون في جسدي، حتى بلغتني، وأخيرًا، صحوة ذهنية مفاجئة عندما جهرت: “الله! لا أنا أكلم #عايز_مسرح يشوفوا هيعملوا إيه! هي الرئاسة بتتناسى ولا إيه النظام؟”.

 
فتعقب تلك الصحوة غفلة شيطانية خبيثة مصحوبة بتساؤل ممزوج بإجابته: “طب ما أنا أولى! أنا كمان تعبت وفكرتنا محتاجة دعم برضه! مش هاكلمهم فاكس”. فاستيقظت بفزعة عارمة على هذا المستوى من (بلغة الشباب) الندالة والتخلي عن المبدأ! إلى أن تأكدت أنه حلم، بل كابوس و”ماراحش لحاله”. ظل في ذهني طوال هذا اليوم تساؤلان:
1- هل يمكن للسلطة – أية سلطة – أن تستخدم في مرحلة ما سياسة “وقعهم في بعض” حتى تزداد حدة الخلافات بين الشباب باستخدام عصا “الإلهاء” السحرية تقليلًا لقوة الوجود الشبابي في الشارع؟

2- هل يمكن للشباب بعد كل هذا العناء، المعافرة والتخبط بين روتين ومعوقات وتردي خدمات تعليمية وبعد الانتصار على كل هذا وذاك (إبداعيًا) أن يتخلى عما تبناه من مبادئ وسياسات لوطن أفضل، متأثرًا بمفهوم “زغللة” عين الطموح؟

بداية عصر جديد في أولى كلماته توجه فيه الدعوة للشباب أن يتصدروا الصف بكل ما أوتوا من إمكانيات إبداعية وثقافية مكتسبة بمجهودات ذاتية أبعد ما تكون عن أية خدمات يكون توفيرها لهم من الدولة أمرًا أبسط من بديهي، وتذييل تلك الدعوى بنفي الاعتماد على أية إمكانيات للدولة وفقًا لحديث الرئيس: “بصراحة كدة، لو مانتش قادر على إنك أنت تتصدى لمشاكل الأمة دي وتنجزها (بأفكار) مش بإمكانيات بس، لأنك أنت لو بتتكلم عن إمكانيات الدولة، قد لا تكون إمكانيات الدولة كافية لعمل ده”، وموافقة الشباب (الطرف الثاني) للتوقيع على هذه الاتفاقية بلا إكراه وبكامل قواه الإبداعية ذات الشغف والإصرار العاليين بلا منازع، يضعنا أمام تساؤل ثالث:

 
أي الطرفين أكثر جدية في تنفيذ التزامه؟
إجابة ذلك التساؤل ستكون جامعة ووافية لأي شرح أو جدال مطول بخصوص التساؤلين الأول والثاني!
1- فـ “احتمالية” لجوء السلطة لسياسة الإلهاء ليست بالبعيدة بالرغم من أن التزامها في هذا التعاقد يختزل في إمضاءات على أوراق وإجراءات روتينية بحتة، فالسلطة هنا تحتل عباءة الكلاسيكيات، والشباب بتنفيذهم لالتزاماتهم يحتلون ملكوت الإبداع كاملًا حق احتلال، احتلال شرعي محترم ذو غاية راقية ومرخصة من الطرف الأول.

 
سقف الإبداع والفكر أزاله الطرف الأول وقيده بشرط “انعدام الإمكانيات”، أو إنصافًا: “عدم كفاية الإمكانيات”، ليهجم الطرف الثاني بأسلحته ويخرج مبادرات، أفكار، مشروعات، بل واختراعات لن تستنشق إمكانيات أو تمويل، بل بالعكس ستجني هذا وذاك!
تلك السطور – عزيزي القارئ – مهداة لفريق #عايز_مسرح وليست دعاية مستترة لمشروعي الذي سيكشف عنه الستار قريبًا، ولا هي بمثابة خواطر لحلم راودني نتيجة ضغط عمل وتفكير، وليست سطورًا مهاجمة للسلطة تحت بند المؤامرة أو العداوة، ولا حتى دفاعًا عن أنفس تطمع ضعفًا، هي تساؤلات مرعبة، للطرف الثاني فقط، تساؤلات مترجمة للسؤالين السابقين محور حديثنا، هل تجاهلت السلطة حجم التزامها قبل التوقيع عليه؟

 

هل فتح المجال للإبداع – دون التطرق للإمكانيات ولو البسيط منها وهو أمر غير منطقي – قد تخطى الحدود فعجزت السلطة عن تحجيمه؟

هل استمرار فشل التحجيم هذا سيزيد من مطامع الشباب إن وجدت فرصة وحيدة لتنفيذ أفكارهم فينهالون عليها كفريسة وسط قرية “أسود الإبداع”؟شبابنا ليس ضحية، ليس بأبله، واع ومثقف “بجهوده الذاتية” بلا تعاون أو خدمات أساسية طبيعية!

 

 
هو حالم، وأيضًا في عجلة من أمره فقد ولدنا نحن أعضاء هذا الجيل ونحن متأخرين، على عاتقنا منذ نعومة أظافرنا مهمة الإصلاح والانطلاق للعالم الأول، بغض النظر أننا لم نكن حاضرين لجلسة التصويت على توزيع تلك العوالم فكنا مجرد خلايا تنقسم ذاتيًا، يسحبنا للخلف روتين وقاعدة (عدي بكرة يمكن مدام سامية تكون رجعت بالختم)، ويسحبنا للأمام طموح ضرورة وحتمية التغيير، ويوقفنا في مرحلة ما قدوم جيل جديد، لنتذكر أننا لم نهيء الأرض لهم بعد لإكمال المسيرة فنهرع إلى الإنتاج، خوفًا من أن يأتي الوقت الذي نحمل فيه الراية بدون مقدمات، نقف أمام هذا الجيل ليحاسبنا، فتلتفت للجيل السابق لك فتراهم اختفوا فتزر وازرة وزر أخرى!

 
فننقسم كفريق شبابي، يهرع البعض منا إلى المحسوبية، سرقة الفرص أملًا في الإنجاز، فيعيد التاريخ و”الجيل” نفسه! ويظل البعض الآخر في محله مكملًا لسياسته بعيدًا عن أي تراجع في المبدأ، وما يحدث في النهاية لهذا البعض الأخير؟ يعقل شابًا ويهرم جسدًا!

“وأنت يا مي، هتسلمي المسرح ولا هتستلميه؟” حتمًا سأنتهز الفرصة بكل ما أوتيت من قوة وحماس لأقف على هذا المسرح أحكي هذا الكابوس، وألقي بالمفتاح في يد #عايز_مسرح!

 

جيل واحد بعيدًا عن “الزغللة”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد