كثير من الأموال تٌصرف ومجهود كبير يُبذل جراء خصيصة التفاخر القوية فينا نحن البشر، لو نظرنا إلى حياتنا بقليل من التأمل لوجدنا كثيرًا من أفعالنا ومشاجراتنا سببها التباهي، بل تقوم الدعايات وتروج كثيرًا من السلع، التي نهرول وراءها دون تروٍّ لمجرد الدخول في حيز الذين يستخدمون سلعة ما. ولا نتساءل ما الذي يحدثه الفارق في انتعالنا لنوع حذاء معين أو ماركة ساعة مرتفعة السعر وغيره من الأمور! هل ستزيد تلك الماركة المعروفة رصيدًا جديدًا لإنسانياتنا أو لمعرفتنا أو عقلنا، هل ستنقذنا وقت أزمة حقيقية أو ستشفينا من براثن مرض عضال أو ستنتشلنا من بحور حزن شديد لو أغرقنا؟

نحن لا نكبح زمام نفوسنا أمام شراء أشياء من الممكن الاستغناء عنها؛ لو لم نقع فريسة المقارنة مع الآخر وحصر مقدراتنا وراء تفاخرنا المرضي الذي لا ينفع البشرية في شيء، بل كثيرًا ما يضرها بسبب هدر يُنفق ومظالم مادية تقع على رؤوس غيرنا. لو نظرنا إلى حالة العمالة في كثير من الشركات صاحبة العلامات التجارية الشهيرة «البراند نيم» كما يُطلق عليها، لرأينا أسوأ أنواع الاستغلال للعمال، تسمى بعض تلك المصانع (بالمصانع المظلمة)، كوصف لحال العمال المنكفئين في أماكن عملهم لساعات طويلة، بأجور زهيدة كشكل من أشكال العبودية، ومعها ألوان من المظالم كتجارة البشر وازدياد هوة الفقر، والمرض والتفكك الأسري والهجرات غير المشروعة وكثير من الأمور التي نساهم في تفعيلها لمجرد شرائنا سلعة سعيًا وراء تفاخرنا المرضي.

يمتد التفاخر لكافة أشكال الناس ومختلف طبقاتهم، بل لا يكاد يترك تفصيلة واحدة في حياتنا دون الدخول فيها، نراه في الأفراح والزيجات التي تفشل كثيرًا منها سعيًا وراء مفاخرة فارغة في عدد الأطباق والمفروشات وأرقام للمهور. ونتمسك به حتى في طقوس الموت، في مكان وفخامة سرادق العزاء وتفاصيل المقبرة المكسوة بالرخام، ونغزل ذلك بكلمات نخدع بها أنفسنا، إكرامًا للمتوفي واعتزازًا به، ونغفل أن الميت لن يصله أي من هذا، ولن يرد ذلك البذخ دقيقة أخرى من الحياة له، لكننا نظل على طريقتنا لنرضي زهوًا ليست منه فائدة.

ولا ينحصر تفاخرنا على تلك الماديات التي ستبلى يوما ما، بحجة أننا حصلنا عليها نتيجة تعب وجهد مبذول أو علم اجتهدنا في تحصيله، لكن زهونا يمتد فيما ليس لنا فيه حول، مثل أنسابنا وجنسياتنا وجنسنا وأشكالنا وألوان جلودنا، يتكبر بعضنا على بعض بعنجهية لأمور لم نقدمها لأنفسنا ولسنا طرفًا في حدوثها، فتباهي أحدنا بلون جلده أو ملامحه الخلابة لهو محض هراء ليس له قيمة، ولن يزيد ذلك من رصيده الأخلاقي والإنساني شيئًا لو كان شخصًا بغيضًا.

تمتد طرق التعبير عن التفاخر في عصرنا الحديث لوسائل التواصل المختلفة حتى أصبح الأمر يفوق التصور ووصل للزيف في كثير من الأحيان، وادعاء شيء غير الحقيقة كمظاهر حب أو علاقات ما، وقد تكون تلك الحياة المعاشة مخالفة للحقيقة وليست كما تبدو في الحياة الافتراضية التي جعلناها واقعًا نلهث خلفه دون وعي.

التفاخر ليس ضرورة حياتية، ولا هو بشيء يسببه خوف أو قلق ما، إلا أنه يبدو سلوكًا إنسانيًا متجذرًا فينا منسوجًا في تركيبتنا البشرية، بل قد لا يوجد منا من لا يسير وراء تفاخره بشخص أو شيء ما، إنه أداء نفعله بلا تفكير، أو شبهة لوم حين نتمادى في فعله، بل كثير من أمور حياتنا تجري وتتشكل وراءه، كأنه كتلة كونية ضخمة تجرنا بجاذبية، دون أن نلتفت لمدى ضرره علينا أو على غيرنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد