بوبي فيشر، الاسم الذي يتبادر إلى ذهنك بمجرد رؤيتك لرقعة الشطرنج، فهو أعظم من تربع على عرش اللعبة، تشعر حين تقرأ عن حياته وكأنه خاض فيها معركتين أساسيتين، معركة في فنون الحرب وتقنيات الهجوم، أبدع خلالها عقله العبقري في محاصرة خصمه داخل ساحة الشطرنج، ومعركة سياسية خاضها بسبب اتهامه بتقربه للشيوعية وكرهه الشديد للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
قد يحقق غيرنا ما نعجز نحن عن بلوغه، وهذه سنة الله في خلقه، لسنا مبدعين في كل شيء، ولا فاهمين لكل شيء، ولا محيطين بكل شيء، ولكن عجزنا على محاكاة الخارقين من البشر فيما أبدعه الله فيهم من نعم خاصة، لا يمنعنا من استنباط العبر التي رافقت مشوارهم الطويل نحو التميز، علينا أن ننظر إلى تجارب الآخرين من هذا المنطلق، فلسنا مجبرين أن نكون علماء متفوقين، ولا جهابذة عصرنا، لكن من الأفضل لنا أن نتعلم من تجارب أولئك الذين تكبدوا متاعب جمة في حياتهم قبل أن يصلوا إلى ضفة حلمهم.
لن أتحدث هنا عن مسيرة وإنجازات هذا الإنسان الأسطورة في لعبة الشطرنج، بل سأحاول أن ألقي نظرة على ما يمكن أن نستفيده من حياة فيشر لبناء مجتمعات سليمة مؤمنة كل الإيمان بقدرات أفرادها، تُرى كيف تفتحت هذه الوردة في شتاء مليء بالعواصف العاتية؟
ما عُرف على فيشر في بداية حياته أنه عانى كثيرًا في الدراسة، لم يكن موفقًا تمامًا، ولم يكن ذاك التلميذ النجيب الذي يواظب على مراجعة دروسه وإعداد تطبيقاته المنزلية كأقرانه، ورغم ذلك لم يتعرض لا للضرب ولا للإهانة، ولا لأي رد فعل من والديه عقابًا له على تأخره في دروسه وإهمالها، فقد ظهر ميوله إلى الشطرنج في سن مبكرة جدًا، ورغم أن الشطرنج مجرد لعبة لا غير قد يحتقرها البعض، ويستهزئ منها البعض الآخر، وقد يجدها الأبوان مضيعة للوقت، وهدرًا للجهد، وأداة شيطانية تعصف بمستقبل ابنهما المنتظر منه أن يصير شخصية مرموقة في المجتمع، قد نفكر نحن هذا التفكير السطحي لضيق أفقنا وخوفنا الكبير من بعبع اسمه المستقبل، غير أن والدة فيشر السيدة ريجينيا كان لها رأي مغاير تمامًا، فقد احترمت توجه ابنها وقدرت حبه وشغفه للشطرنج، ولم تقتل فيه الموهبة، هذه الأم التي لم يمنعها مانع من أن ترسم لابنها مسارًا علميًا مميزًا يلائم توجه الأسرة الصغيرة وتخصصها، خصوصًا وأنها امرأة مثالية مثابرة إلى حد بعيد، دفعها حبها للعلم والمعرفة إلى التدرج في وظائفها من معلمة مواظبة، إلى ممرضة محترفة، إلى طبيبة ماهرة في فترة كان العالم مشتعلًا بنيران الحرب العالمية الثانية ومقبلًا على الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، فتجاوزت كل هذه العقبات رغم الفقر، وظلت صامدة في مسيرتها العلمية والعملية تصارع التحديات وتراقب عن بعد موهبة ولدها بوبي وتحمسه، بل ونشرت إعلانًا في صحيفة محلية تبحث فيه عن متطوع يلعب مع ولدها لعبته المفضلة، بعد أن خشيت عليه مرض العزلة.
لم تفرض عليه أبدًا أن يبرع في الرياضيات ليصير مهندسًا ناجحًا، أو يتميز في علم الفيزياء، أو يتقن علوم الطبيعة ليكون طبيبًا مشهورًا، لم تطلب منه شيئًا من هذا القبيل، بل تركته حرًا طليقًا لنفسه وعبقريته يشق طريق تفوقه في لعبة؛ لعبة الشطرنج.
وسواء أكان والد بوبي هو باول نيمني كما أشارت التحقيقات، أو هانز فيشر غيرهارد المدرج في شهادة ميلاده، فكلاهما عالمان فيزيائيان كبيران، وقد نُصاب بالذهول كون أسرة يقودها أب عالم فيزياء متخصص، وأمٌّ طبيبة بارعة مُحبة للطب، يحترمان قرار ولدهما في تفضيل لعبة الشطرنج على أي شيء آخر، وهنا نطرح السؤال حول تقييمنا نحن في الدول العربية لميولات الطفل في صغره، وهل نأخذ ذلك بعين الاعتبار. لا أظن.
الإنسان الحقيقي لا يبحث عن الألقاب الرنانة، والمسميات عالية المقام التي يعتقد أنها تزيد من مكانته وهيبته بين الناس، فقد تُسجل اسمك في سجل التاريخ إلى الأبد بلقب «لاعب»، وقد ينساك الدهر ويمحوك النسيان من الذاكرة رغم أنك كنت تحمل من الألقاب أرقاها وأشهرها، وقد تتطور في لعبتك لاعبًا، إلى أن تصير أستاذًا محاضرًا في نفس اللعبة، تؤطر الندوات والمحاضرات في أشهر الجامعات الدولية، شأنك شأن أي أستاذ آخر في التاريخ والجغرافيا والعلوم والتكنولوجيا كما حدث مع فيشر، وقد تُبدع في ميدان من الميادين فتحبه وتفضله إلى درجة الجنون، لكن عشق الأشياء مهما بلغ حده عليه أن ينحنيَ احترامًا وتقديرًا لمرجعية الإنسان الدينية التي تعتبر هي جوهر وجوده في هذا العالم، فحب فيشر للشطرنج لم يمنعه من الانسحاب خارج التصفيات بمجرد تهاون المنظمين في احترام معتقداته الدينية التي تمنعه من اللعب أيام السبت من كل أسبوع، ولم يجد في ذلك أي إحراج أو تردد في الانسحاب من البطولة بهدوء وإنسانية.
لم يكن فيشر يكره شيئا أشد من كرهه للسياسة أم المصائب، وقد عانت أسرته من ويلاتها أشد العناء، فهاجرت من بلد إلى بلد هروبا من صراعات الحروب، سلبت منه السياسة حقه في التنقل بحرية للمشاركة في بطولات دولية مختلفة، وأحاطت تحركاته بسياج محكم من المراقبة والتهديد بالاعتقال، فكان يُمنع من المشاركة في الملتقيات التي تقام في بلدان تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية من بقايا الاتحاد السوفيتي، وصدرت مذكرة اعتقال في حقه حين تمرد عشقه للشطرنج على قيود الحدود والسياسة فلعب ضد سباسكي في يوغوسلافيا، وامتدت أيادي السياسة إلى رقعة الشطرنج نفسها، فلم يسلم من مكائد حِيكت ضده في بطولات عدة.
علينا أن نتعلم من حياة العبقري فيشر أعظم لاعب شطرنج في التاريخ أن الفشل ليس نهاية المطاف، ابحث في نفسك على ما يُميزك عن غيرك، لا بد وأن تجدَ ما هو فريد من نوعه، إن فيك من المميزات والمهارات الخاصة ما يتمنى غيرك الظفر بها، لكنك وللأسف لا تلتفت ناحيتها، ولا تعيرها اهتماما، وقد تعترضكَ عوائق ومشاكل بالجملة تُضعف عزيمتك وتُنهك طاقتك، غير أن الإصرار هو ما يجعل للحياة طعما مختلفا في كل مرة نشعر فيها بخيبة أمل، وتبقى اللحظة التي ستتذكر فيها هذه السقطات آتية لا محالة، حينها ستبتسم بمكر لتواجه القادم بثقة أكبر واستعداد للمواجهة. المبادئ الحقيقية تبلورُ شخصية غريبة على المجتمع، تجعل الإنسان مضطرا لتقديم تنازلات مرّة خضوعا لإملاءات الظرفية، إلا أنها تؤول إلى أعداء النجاح بطعم العلقم لتبقى المبادئ هي المنتصرة في نهاية المطاف، ولا تعتقد أن بعلمك وثقافتك ستصل الغاية المثلى، أو بعدد الجوائز التي حصلت عليها في مسيرتك المهنية والعلمية، بل بمواقفك، وثق أنك لن تحصل على جائزة إلا بموقف اتخذته كان هو الدافع الأكبر الذي دفع جهة ما لمنحك الجائزة، واعلم أن النجاح من أول وهلة هو بمثابة فشل صامت، وأن الفاشل المثابر هو من يحقق في النهاية المعجزة الكبرى، فقد تقضي حياتك كلها تلهث وراء منصب، وتجري خلف جاه، وتسعى للنجومية، ثم لا يكون لك من كل هذا نصيب، قد يأتي ولد صغير بما يبهر، فيصبح بين ليلة وضحاها حديث العالم كله، وليس النجاح أن تأخذ صورا تذكارية وأنت تتسلم الجوائز والميداليات، وإنما النجاح بما ستَحكمُ عليكَ الأجيال القادمة، لأن الأجود يبقى ويعيش، أما المزين المنمق فيموت وتذروه الرياح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد