قبل البداية، احترت في اختيار العنوان الذي يناسب موضوع حديثي, هل أجعله عنوانًا ظاهرًا يلتمس القارئ فيه فحوى الكلام؟ أم أجعله كعادتي في الكتابة غامضًا يُفهم من سياق الحديث ويجعلك تتابع الحروف بعينيك حتى النهاية؟

حتى اللحظة ما زلت في حيرة من أمري, الأمر والقضية ليست بحاجة إلى أن أكون أدبية في اختيار عنواني لهذا المقال لأنها جادة واللهو هنا لا يخدم موضوع حديثي؛ لذا كنت واضحةً في اختياري.

البداية

بمطلع أكتوبر المنصرم من العام الماضي اندلعت انتفاضة القدس على أثر المخطط التقسيمي الذي باشره الاحتلال الصهيوني بهدف تقسيم المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا؛ وبفضل اندلاع الانتفاضة مات المخطط في مهده.

ما زالت الانتفاضة مندلعة! مسجلةً تسعةَ أشهرٍ من النضالِ والبطولةِ الفلسطينية وما زالت قوافلُ الشهداءِ ترتقي للعلا دون أيَّ زُهدٍ من الفلسطينيين، ومن المؤلم أيضًا أنه ما زالت ثلاجات الاحتلال تنفثُ زمهريرها على جثامينِ تسعةَ عشرَ شهيدًا فلسطينيًا من مختلف المدنِ الفلسطينية!

والشهداء التسعة عشر المحتجزون هم: ثائر أبو غزالة (19 عامًا)، الطفل حسن مناصرة (15 عامًا)، بهاء عليان (22 عامًا)، علاء أبو جمل (33 عامًا)، معتز عويسات (16 عامًا)، محمد نمر (37 عامًا)، عبد المحسن حسونة (21 عامًا)، محمد أبو خلف (20 عامًا)، فدوى أبو طير (51 عامًا)، فؤاد أبو رجب «التميمي» (21 عامًا)، عبد الملك أبو خروب (19 عامًا)، ومحمد الكالوتي (21 عامًا)، أما عبد الرحمن محمود رداد (17 عامًا) فهو من سلفيت، وبشار مصالحة (22 عامًا) من قلقيلية، وعبد الفتاح الشريف (21 عامًا) وإبراهيم محمد برادعية (45 عامًا) من الخليل وإبراهيم صالح (16 عامًا) ومرام صالح (23 عامًا) برفقة جنينها .

وقد بلغت أقصى مدة احتجاز حتى الآن 6 أشهر ولا تجاوب من قبل الاحتلال فيما يتعلق بتلك القضية سوى التعنت والرفض، أما فيما يتعلق بالساسة والمسئولين وقيادات الأحزاب فقد أوجز والد الشهيد «بهاء عليان» السيد «محمد عليان» الناطق باسم الحملة الشعبية لاستعادة جثامين الشهداء في حديثه عن هذا الأمر عبر حسابه الشخصي على الفيسبوك قائلًا:

(مسئول)
كلما صادفني في الشارع يوقفني بحركة تعبر عن دهشته لرؤيتي،
«يصافحني» بتكاسل،
«كيف حالك؟»
«أنا أتابعك على التلفاز»
«الله يقويك»
«الله يرحمه»
«اصبر إن الله مع الصابرين»
يتمتم بسرعة دون فرصة لسماع الرد،
يترك أصابعي
ويغيب وسط ضجيج الشارع!

هي قضية من أهم القضايا الجارية على الساحة الفلسطينية إلّا أنها لم تحظ باهتمام الساسة والقادة، فما كان من أهل القضية إلا أن يتصارعوا وحدهم في وجه الاحتلال الغاصب لانتزاع أبنائهم من برودة الثلاجات إلى دفء الأرض حيث الإكرام، رافضين كل الشروط الإجحافية بحق الدفن والوداع.

ترى أيهم أكثر دفئًا من الآخر؛ برودة الثلاجات أم برودة تفاعل القيادة؟! منذ متى أصبحت أهم القضايا هي أكثر القضايا إهمالًا؟ منذ متى أصبح الشهيد رمز الأمة آخر اهتماماتنا إن كان هناك اهتمام!

لم يتوقف الأمر عند احتجاز الاحتلال لجثامين الشهداء فقط، بل يقوم بوضع شروط مجحفة وظالمة لتسليم الشهداء من خلال فرضه غرامات مالية وتحديد ساعة الدفن وعدد المشيعين في وسيلة منه للضغط على أهالي الشهداء، وقام كذلك بهدم منازل ذويهم واعتقالهم كما أنه يدرس حاليًا فكرة إبعاد الجثامين عن الضفة الغربية.

ويسعى الاحتلال الصهيوني إلى اتباع سياسة احتجاز الجثامين وتعقيد أمور تسليم الشهداء في وسيلة منه لوأد الانتفاضة وترهيب الشباب الفلسطيني، من أجل القضاء على العمليات الاستشهادية وتحسين صورته أمام مواطنيه.

ويبقى السؤال القاتل عالقًا؛ دفء الثلاجة أم صقيع الموقف؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد