تقول الكنيسة: الجسد خطيئة.  يقول المعلم: الجسد آلة. تقول الإعلانات: الجسد مشروع تجاري. يقول الجسد: أنا مهرجان.

هكذا يُعبر غالينو عن الجسد في عدة محاور دينية ومؤسساتية واقتصادية، في حين جاء رد الجسد مطالبًا بالحرية والسعادة المتلخصة في كلمة: مهرجان. فمنذ أن وعى الإنسان على وجوده ولم يسترح جسده من الفرضيات والمحرمات: فدائمًا يعتبر الجسد موطن الشرور، وبؤرة الدنس والرذيلة، فاحتقر الجسد أو تعومل معه كضرب من الحضور المحرج الذي توجب التحكم فيه وإخماده.

الجسد خطيئة

إن الخطاب الديني يتضمن استراتيجية مراقبة للجسد الفردي؛ لأنه يعمل على إدماج الرغبات والغرائز الجنسية في النظام الاجتماعي الذي يحكمه المقدس الديني بصورتيه، الحظر والإباحة أو الحرام والحلال، فالمطلوب هو أن تمارس الحياة الجنسية وفق ما تفرضه المؤسسة الدينية بقواعدها وقوانينها التي يضعها الممثل عنها: شيخ، وقسيس، وكاهن، لأن الوظيفة الجسدية وظيفة مقدسة تخدم الإرادة الإلهية في منطلقاتها وغاياتها وطريقة ممارستها، وما دون ذلك فهو – فتنة – وفوضى جنسية تهز أركان النظام الديني والاجتماعي، وعليه فالهدف هو ربط تلك الوظيفة بحدود المأمور والمنهي، المباح والمحظور أي حدود المقدس. لهذا لم يتغير ابدًا المنظور الديني للجسد، وعلى هذا الأساس، فأي توجه للجسد يعتبر رؤية دونية في مقابل تعالي – وسماوية – الروح، وتم محورة الأمر حول رؤية الفناء في مقابل رؤية الخلود، فالروح جوهر خالص، واللذة الحسية تحط الإنسان نحو الأسفل، نحو التدنيس والخطيئة التي تتصل بالجسد.

الجسد آلة

تعكس الفلسفة الصراع حول الجسد في وعي الإنسان، بقيت الفلسفة الكلاسكية: سقراط، وأفلاطون – مثلًا – متوافقة مع الدين من حيث حيث اعتبار الجسد سجنًا للروح، ومرتعًا للرغبات والنزوات، بل الشهوات التي تنزل بالإنسان إلى مستوى الحيوانية وتفقده قيمته السامية، وأعلنت ضده الحرب بغية كبح كل براكينه الداخلية.

ومع ظهور مذهب اللذة: أبيقور، وأرسطيفوس، اتجه بعض الاهتمام إلى الجسد، وأنه الخير. اعتبر أبيقور أن جزء من الخير يجب أن يكون ماديًا، كالجنس والطعام، ولا يمكن اعتبار الخير حكرًا على الروح.

مع فجر الكوجيتو الديكارتي الذي لم يعط أية أهمية لتواجد الجسد في العملية الفلسفية، واعتبر ديكارت الجسد موضوعًا خارج عن الفكر، وموضوعًا فيزيائيًا قابلًا للقياس، مع إمكانية دراسة وظائف الجسد باعتباره آلة.

واستنادًا على العقل، فتح اسبينوزا باب التفكير في الجسد، حين أقر أن الجسد والعقل شيء واحد، وأعطى قدرًا كبيرًا للجسد باعتبار أن الفكر أحد أدواته.

وعلى نفس النسق قام نيتشه بقلب الكوجيتو الديكارتي، وعبر على لسان زرادشت: أنا الجسد كله، ولا شئ غيره.
وتحول وضع انا أفكر الديكارتي، إلى أنا جسد يملك تصور لهذا أفكر. وبهذا التعديلات اعتبر نيتشه الفلسفة الكلاسكية ما هي إلا مرحلة فهم خاطئ للجسد.

سيعرف الجسد حضورًا مركزيا في القرن العشرين مع الفلسفة الفينومينولوجية، بداية مع كتابات ميرلوبونتي الذي يرفض الثنائية الديكارتية للفكر والجسد، ويتجاوز الالتباس الثنائي في تفسير الكينونة الإنسانية لتؤسس واحدية تعلي من الجسد الذي عبّر عنه ميرلوبونتي بقوله: تجربة الجسد ستقوم على فضاء ذاتي، أين يأخذ الجسد مكانه كعين
ذواتنا بعد أن كان مجرد غلاف لذواتنا.

الجسد مشروع تجاري

وعلى نفس طريق ميرلوبونتي، واعتباره الجسد منظومة رمزية للعالم، فكان لميشيل فوكو تفسير لرمزية الهيمنة على الجسد، فاتحًا إشكالية العنف المباشر وغير المباشر ضد الجسد، فنجد في هذه المقطوعة الطويلة:
أن حرص مؤسسة السلطة على امتلاك جسد الآخرين تطور في شكلين أساسين لممارسة السلطة والرقابة على الجسد، يعبر عنهما فوكو بمفهومين مركزيين، هما: التشريح السياسي للجسد، والبيولوجيا السياسية للسكان.
يكمن دور المفهوم الأول في العمل على تدجين الجسد وترويضه. ومن هنا تتضح نوايا السلطة السياسية، إذ إن وعي المجتمع الرأسمالي بضرورة الإصغاء لنبض الغرائز، وتخليصها من قبضة الأعراف البالية، فرض عليها وعيًا مضادًا بخطورة الجسد في عفويته الجارفة ورغباته اللامحدودة.

وهذا يستوجب سن قوانين تعمل على تدبير تلك العفوية والحد من الرغبات وكبحها، قصد إنهاك قوته وتنمية نفعه ودمجه في أنساق رقابة ناجعة سياسية واقتصادية.

أما الشكل الثاني، فقد انتبه إلى الجسد كمرتكز لعمليات بيولوجية، وعبر عن نفسه في الاهتمام بتنظيم السكان، من خلال عدد الولادات والوفيات ومستوي الصحة ومعدل الأعمار، كل هذا عن طريق رقابة سياسية يَسِمُهَا فوكو بالسياسة البيولوجية للسكان.

وهكذا تغيرت تقنية السلطة في نظرتها لطبيعة التعامل مع الجسد، فلم يعد القتل هو أهم وظائفها كما كان من قبل، بل أصبح الأهم هو الجسد، إدارته وتدبيره، ويعتبر فوكو أن السلطة على الجسد كانت من أهم العناصر لنمو الرأسمالية. نمو لم يكن ليتحقق لولا الدمج المضبوط والمراقب للجسد في جهاز الإنتاج، وعبر تكييف وملاءمة الظواهر السكانية مع الصيرورة الاقتصادية.

ويشكل الجنس – حسب فوكو – باعتباره مظهرًا من مظاهر أنشطة الجسد، رهانًا سياسيًا هامًا يتموقع بين القطبين المذكورين سابقًا: البيولوجيا السياسية، والتشريح السياسي. فهو من ناحية يرتبط بأشكال ضبط الجسد، ومن ناحية ثانية يرتبط بتنظيم السكان. والخلاصة أننا نكون أمام ما يسميه فوكو: سلطة متناهية في الصغر على الجسد، وفي الآن نفسه أمام تدخلات تهم الجسد الاجتماعي في كليته.

– ويرى أيضًا ماركيوز أن المجتمع الصناعي الحديث قادر على استنفاد طاقة الإنسان الجسدية، وجعله في خدمة تكنولوجيا لا تعمل إلا على مزيد من شعور الاغتراب لديه، والاستبدال بالحرية وهم الحرية – كالعبد الذي يختار سادته – وبذلك يخضع جسد الإنسان إلى منظومة من التسليع، ويتم اختزاله في بعد واحد، وهو أن ليس للجسد قيمة ما دام لم يكن منتجًا ومستعبدًا في الآن ذاته.

أنا مهرجان

بالإشارة إلى فكر الانتهاك (الذي مثل الحرية والتحرر الأخلاقي من كل القيود الدينية أو المجتمعية) الذي دُعم بكتابات جورج باطاي، وموريس بلانشو، سأكتفي فقط بمقولة أنسي الحاج التي لخصت وجهًا حسنًا لأفكار التعري: أتحدث عن صدام، انتهاك، يخترق الحدود ويوسع الحياة، دافعًا التقاليد والقوانين بالقوة غازيًا مسافات أكبر بالحرية والجمال والحب.

ولكن للأسف يظهر بوضوح عجز فكر التعري عن وضع الجسد في حالة استقرار أو اتساق مع الوجود، فبالإشارة إلى تقسيمات الجسد حسب الجنس يؤكد بير بورديو أنّ الحصار الأخلاقي المضروب على الجسد النسوي ما زال قائمًا حتى في المجتمعات الحداثية كفرنسا مثلًا، بعد أكثر من نصف قرن من الحركة النسوية، منتقدًا الادعاء المبالغ فيه بتحرر النساء، متحدثًا عن استعراء مراقب لحركات جسدهن. فعمق التبعية الرمزية للنساء يكمن في كونهن موضوعات رمزية مدركة في حال من عدم الأمان الجسدي، تلخصه عبارة إنهن موجودات من أجل الآخرين ومن أجل نظرتهم، لذا ينتظر منهن أن يكنّ – باستمرار – لطيفات وودودات ومحتشمات. 

ويبقى الجسد حائرًا بين المقدس والمدنس وفلسفات الزن والانتهاك، مشتت بين خبراء الرياضة والاقتصاد والطب، إلا أن كل هذا يضيف حالة من الزخم والأهمية المستمرة في عصر الوصول وتحول الجسد الى صدارة المشهد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد