يُنظر لحركات وإيحاءات الشخص وتعابيره في أثناء الكلام على أنها لغة الجسد (Body Language)، وقد يعد هذا التعريف منطقيًّا، لكن لا يمكن اعتباره تعريفًا جامعًا مانعًا، إذا ما أردنا توصيف تلك الطريقة التي يستخدمها البعض منا نحن المصريين لتعزيز تكلمه مع الآخرين بمؤثرات تتعدى حدود الأحرف والأصوات.

لفت انتباهي لهذا الأمر سائق تاكسي قادتني الصدفة للاستعانة بخدماته ذات صباح مشرق، تحول فيما بعد لصباح مشبوه، وإليكم التفاصيل.

في الطريق أشرت لتاكسي فتوقف السائق، فحشرت رأسي داخل سيارته وما زال باقي جسدي على الأرض: «الدقي يا أسطى؟». رد الرجل بعدما تنحنح وتنخم وبصق: «يا فتاح يا عليم ع الصبح»، ثم أشاح بوجهه وأردف وهو يشير بيده: «إركب يا أستاذ، بس بسرعة يكرمك ربنا».

انطلق الرجل وعلى غير عادة السائقين لم يكن في سيارته أي من وسائل الترفيه السمعي، فلا راديو ولا جهاز لتشغيل الأقراص المدمجة (سيديهات يعني)، وهو ما دفعني للانبساط اللا إرادي، ففي مثل هذه الصباحات يستحسن ألا تعبئ أذنيك بأغاني المهرجانات، التي يومًا ستصبح تراثًا ويشار لأوكا وأورتيجا وشحتة كاريكا على أنهم نجوم الزمن الجميل.

المهم، حتى لا أطيل عليكم، لم يدم الحلم طويلًا، إذ أدار الرجل أسطوانة أخرى لا تقل ضجيجًا عن أسطوانات أغاني المهرجانات، فقال كمعظم سائقي التاكسي في السنوات الأخيرة: «أنا أصلًا مش سواق تاكسي يا أستاذ، بس تعمل إيه في حكم الزمن، يا عيني على الحلو لما تبهدله الأيام. تحب تعرف كنت شغال إيه قبل التاكسي ده؟».

«لا والله محبش يا برنس»، هكذا جاء ردي جافًا كضربة استباقية لتفادي مزيد من الصداع والثرثرة، غير أن الرجل لم يعبأ بردي وراح يحكي عن عمله في السياحة التي «انضربت» ولم تعد «تؤكل عيش»، ما اضطره لأن يتنازل ويعمل سائقًا لهذا التاكسي!

الشهادة لله أن مخاوفي من ثرثرة سائق التاكسي كانت مجرد هواجس في مقابل ما حدث، فالكلام على كل حال لن يضر، فقط بعض الصداع وعلى الأكثر بعض من الاكتئاب المؤقت، لكن ما حدث أن الرجل لم يكتف بحديث اللسان والشفاه، وراح يستعرض مهارته في تقنيات الـ «Body Language» فمع كل جملة أو عبارة أجده «يزغدني» في فخذي وهو يقول: «واخدلي بالك أنت»، «أيوة يا عم الحاج واخد بالي بس مال فخادي بالموضع؟!».

وتنوعت أشكال التعبير بلغة الجسد لدى السائق ما بين الزغد والخبط والرزع والطبطبة على الكتف!

انتهت الرحلة بحمد الله بعدما أوسعني الرجل ضربًا وصفعًا وركلًا تحت مسمى «Body Language»، لكن رحلتي مع لغة الجسد وكيف يستخدمها المصريون بدأت ساعتها، ورحت أسترجع شريط ذكرياتي مع الناس في أحاديثهم معي وغيري: فتذكرت تلك الخالة التي ما أن ترى ذلك الصغير حتى تنهمر في قرص وعض خدوده وهو تدلله «ياختي يا بطة»، أو ذلك الرجل الجالس خلفك في الميكروباص وهو ينخر في كتفك كي توصل أجرته للسائق «إديله واحد طالبية».

أضف إلى القائمة ذلك الشخص الذي إذا وجدك في حالة ضيق مثلًا تقمص دور الفنان ذي الشارب أحمد عبد العزيز وكأنه يؤدي أحد مشاهد مسلسل المال والبنون، فيمسك بكتفيك وهو يهزك من أعماقك وكأنك كمال أبو رية: «لأ يا بن المغازي، ما عاش ولا كان اللي يكسرك.. اجمد وخليك راجل»، وهكذا يظل يرج جسدك كزجاجة مياه غازية يلهو بها طفل أرعن، ولا يتركك حتى تشعر «بالفرهدة» أو وأنت تتقيأ، وهذا أضعف الإيمان.

أيضًا تذكرت عم كرم جارنا، ذلك الرجل العشري، الذي ما إن يراني أصعد السلم حتى يمسك بي ويأخذ يدي تحت إبطه ويقسم بأغلظ الأيمان أنني لن أصعد حتى نتنادم على فنجان قهوة من يد أم حسن زوجته، وفي هذه الحالة فإن إبط عم كرم يتحدث عن نفسه، وكثيرًا ما أصبت بحالة إغماء نتيجةً طبيعية لاستنشاق مختلف الغازات والروائح التي يفرزها إبط الرجل الطيب الذي يغطي وجهي بالرذاذ المصاحب لكلماته ليرطب الأجواء ما بيننا!

والخلاصة، نحن بحاجة لرصد تكنيكات لغة الجسد لدى المصريين، بغرض إعادة ضبطها على طريقة إعادة الهاتف لحالة «ضبط المصنع»، فلقد خلقنا الله لطافًا ظرافًا قبل أن يتلوث تواصلنا ببدعة «Body Language» عافنا الله وإياكم منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك