(1)

ملحوظة: يسعدني أن أكون معكم في ساسة بوست، وأن أبدأ بكتابة سلسة من المقالات في لغة الجسد، وسأقوم خلال ذلك بإذن الله بعرض فيديوهات وصور ومناقشتها.. لتصل الفائدة لأعلى درجة ممكنة.. أنا مستعدة للرد على تعليقاتكم والرد على تساؤلاتكم.

نتواصل يوميًا مع بعضنا البعض بطرق شتى، منها ما يكون لفظيًا باستعمال الكلمات المنطوقة، ومنها ما يكون غير لفظي باستخدام إيماءات الجسد ونبرة الصوت، فهل تنتبه لما يقوله جسدك للآخرين، وما تقوله أجساد الآخرين لك؟ يحدث أن تذهب لأحد البنوك لإجراء معاملة ما. تقف أمام موظف البنك الذي يسألك بكلمات جادة ورسمية عما تريد عمله دون أن يرفع عينيه عن حاسوبه، ينجز معاملتك في وقت قصير، وتخرج من البنك، تشعر بضيق ومشاعر سلبية تجاه ذلك الموظف.

تعود للبنك بعد فترة لنفس الغرض، فستقبلك الموظفة بابتسامة، وبلغة جادة ورسمية تسألك عن غرضك، تنظر في وجهك عندما تكلمك، وتنجز معاملتك تمامًا كما أنجزها الموظف السابق، إلا أنك في هذه المرة تغادر البنك تغلب عليك المشاعر الإيجابية، وتقول في نفسك: ما ألطف هذه الموظفة!

فما الذي جعلك تشعر بلطفها؟ وما الذي جعلك تشعر بسلبية تجاه الموظف الأول؟ على الرغم من أن كليهما قد استعمل نفس الكلمات ونفس أسلوب الكلام. الذي اختلف في الحالتين هو لغة الجسد التي استعملها كل من الموظفين، فهو لم يتبادل النظرات مع العميل، ولم يبادره بابتسامة، بينما فعلت السيدة ذلك.

ولغة الجسد هي طريقة للتواصل بين بني البشر من خلال إيماءات يطلقها الجسد بأجزائه المختلفة، ولها ستة أبعاد، وهي؛ بُعد نبرة ونغمة الصوت، وبُعد تعابير الوجه، وبُعد إيماءات الجسد: من يدين، وأصابع، وقدمين، وساقين، ورأس، وبُعد نظرات العيون، وبُعد المظهر الخارجي، وبُعد المسافات والمكان، بوجود أناس آخرين تقوم بإيصال أفكارهم ومشاعرهم ورأيهم للآخرين بشكل مقصود أو غير مقصود.

وتقسم إيماءات الجسد حسب منشأها إلى ثلاثة أقسام:

الأول، إيماءات تولد مع الشخص وتؤثر فيه، دون أن يكون له أي دور في التلاعب بها، مثل: احمرار الوجنتين عند التعرض لموقف محرج، البكاء عند الحزن.

الثاني، مكتسب بشكل إرادي، يتعلمها الشخص ويتدرب على استعمالها ويطورها خلال مراحل حياته المختلفة؛ بسبب حاجته لها، مثل: مهارات المصافحة، مهارات لغة الجسد في العمل، مهارات لغة الجسد في مغازلة الجنس الآخر، ارتداء الشباب لملابس تبرز عضلاتهم؛ لإخافة أعدائهم، وللفت انتباه الفتاة أنه قوي ويستطيع حمايتها…إلخ.

الثالث، مكتسب ولكن بشكل غير إرادي، حيث يكتسبها الشخص خلال تربيته ونموه وتجاربه التي يخوضها، ولكن بغير قصد سابق، إنما تعود عليها حتى أصبحت جزءً منه، مثل: مص ثدي الأم يتحول إلى مص الإصبع في الطفولة المبكرة عند القلق، ويستبدل به مص طرف القلم في مرحلة الطفولة المتأخرة وبداية المراهقة، ويستبدل بالتدخين بعد ذلك، إلا أن المنشأ واحد، عادة الاختباء في حضن الوالدين لدى الخوف أو الاضطراب في الطفولة، يستبدل به ضم الكتب إلى الصدر في المراهقة، يستبدل به بعد ذلك ضم الذراعين أو الحقيبة أو باقة الورود أو أي شيء من هذا القبيل.

وقد يسأل البعض: ما أهمية أن أعرف لغة الجسد وأن أمتلك مهاراتها؟

يصدق الناس إيماءات جسدك أكثر مما يصدقون كلامك، ولأن إيماءات جسدك تصدر عنك بشكلٍ عفوي ومقصودٍ أيضًا، فإن لم تمتلك مهاراتها سيكشف جسدك تناقضاتك للناس. وستكون الخاسر أمامهم. فإذا كنت موظفًا في بنك أو شركة أو مشفى أو عاملًا في مجال التسويق، وغيرها من المهام التي تتطلب الاتصال والتواصل مع الناس، فإن إتقانك لمهارات لغة الجسد تمكنك من إيصال رسائل صامتة إيجابية للآخرين من خلال نبرة صوتك، وتعابير وجهك، وإيماءات يديك وقدميك، واتصالك البصري معهم، ومظهرك الخارجي، والمسافات التي تتركها بينك وبينهم، وتنظيمك للمكان الذي تمتلكه وتعمل فيه، فتزيد من قوة تأثيريك فيهم وإقناعك لهم، كما تنقل لهم مشاعر الاحترام والتقدير والفهم والرغبة في خدمتهم ومساعدتهم واختيار الأفضل لمصلحتهم.

وكن على علم بأن مهارات لغة الجسد يكتسبها الشخص جراء الخبرة الشخصية والتعلم والتجربة والمران المتكرر، وهي تمكنه من كسب رضا الآخرين وثقتهم وتأييدهم.

ونعود للسؤال: أيمكنني أن أتعلم قراءة لغة الجسد؟

-نعم تستطيع.

كيف أستطيع ذلك؟

-من خلال معرفتك بلغة الجسد، ومراقبتك لإيماءات الناس، وملاحظتك لتفاصيلها، ومحاولتك تفسيرها وفهم ما يدور في أنفسهم، وما يجري بينهم، دون أن تسمع كلامهم، فقط من خلال ما تقوله أجسادهم.

ولكن انتبه؛ فلغة الجسد تخبرنا بمشاعر الناس. هي لا تعطينا معلومات مجردة عنهم، بل تصف لنا ما يدور داخلهم. هل هم سعداء؟ هل هم قلقون ومترددون؟ أم أنهم يشعرون بالملل؟ أم أن هناك ما يشعرهم بالخوف والتوتر؟ هل هم صادقون فيما يقولون؟ أم أنهم يكذبون؟ هل تغلبهم الرغبة لقبول ما تعرض عليهم؟ أم أنهم يرفضون بشكل قاطع، ولن يغيروا رأيهم مهما استعملت من أساليب مختلفة للإقناع؟ هل يقيمون ما تقول لهم؟ أم أن الشك يغلب على مشاعرهم؟ هل يبحثون عن الاهتمام؟ أو أنهم قد ملوا الضجيج ويرغبون ببعض العزلة؟

ألتقيكم بإذن الله في المقال القادم بعنوان: ماذا تقول عيوننا؟.

خبيرة لغة الجسد

د. زهرة خدرج

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد