هل نجح فيلم Bohemian Rhapsody حقًا؟

انتظرت لسنوات عديدة أن يقوم مخرج ما بإخراج فيلم يحكي قصة أحد فرق الروك آند الرول العريقة، سواء كانت لـ «كوين» أو «رولينج ستونز» أو «ليد زيبلن» أو حتى للأعظم على الإطلاق «بينك فلويد». ومع إعلان شبكة فوكس عن انتاج فيلم بعنوان « Bohemian Rhapsody» تفاءلت كثيرا، خصوصا بعد رؤيتي لطاقم التمثيل و«رامي مالك» الذي سيؤدي دور فريدي.

مشاعري حول الفيلم متضاربة، ولا أجد صراحة الكلمات المناسبة لوصف هذا العمل، فبحكم ارتباطي الكبير بهذه الفرقة وجدت صعوبة بالغة في تقييم الفيلم، وكما أشرت في العنوان «ما بين الموسيقى العظيمة والنسخة المشوهة» أجد نفسي عالقًا بين وصفين لا أستطيع الاختيار بينهما. طوال أحداث الفيلم وأنا أتساءل عن هوية الفيلم الحقيقية، هل هو عن «فريدي ميركوري» أم عن فرقة «كوين»؟ وباعتقادي أن هذا هو أكبر مشكل وقع فيه كُتاب الفيلم، فعدم تحديد هدف محدد للفيلم منذ البداية جعله يخسر أكبر قوة يستغلها مخرجو الأفلام في عصرنا هذا، الفيلم لم يقدم أي معالجة درامية دقيقة لشخصية فريدي، ولم يقدم كذلك قصة مناسبة تحكي عن رحلة فرقة «كوين» نحو النجومية والعالمية، كأن الفيلم بأكمله مجرد ملخص وشريط سينمائي من نقطة لقاء أعضاء الفرقة إلى إعلان مرض «فريدي»، دون أن أنسى الفجوات التي كانت تظهر جليا بين مشاهد الفيلم وأكثر من هذا هو حذف الكثير من التفاصيل المتعلقة بالفرقة، مما أدى إلى ضغط كبير على الفيلم الذي جرت أحداثه بسرعة كبيرة وبشكل غير دقيق بالمرة، كأن تركيز المخرج كان مصوب منذ البداية على مشاهد حفل «Live Aid».

طريقة تقديم أعضاء فرقة «كوين» كان من بين أسوأ المشاهد في الفيلم، كأن من كان وراء كتابة سيناريو الفيلم هو كاتب مبتدئ يحاول أن يشق طريقه في ساحة هوليوود. لم يكن هناك أي مساحة موجودة لإبداع أعضاء الفرقة، ومن شاهد طريقة التقديم سيعتقد أن الفيلم يدور حول شخصية «فريدي ميركوري» وأن المخرج لا يريد أن يتعمق كثيرا في الشخصيات الأخرى، رغم أننا نتحدث هنا عن شخص كـ«براين ماي» الذي بنظري هو العمود الفقري للفرقة، ناهيك عن أنه عالم فيزياء فلكية ومن بين أفضل عازفي الجيتار في التاريخ، وهنا نجد أن هناك مساحة كبيرة لكي يبدع الممثل «جويليم لي» في أداء شخصية «براين ماي» لكن للأسف بالكاد ركز المخرج على هذه الشخصية العظيمة التي لم يعطها الفيلم المساحة الكافية في أي جزء من أجزائه. بالعودة لكلامي السابق حول الاعتقاد أن الفيلم يدور حول شخصية «فريدي ميركوري»، سيشعر المشاهد للفيلم بخيبة كبيرة، وهذا يعود لعدم استغلال الإمكانيات الدرامية المتاحة التي كانت ستبحر بنا في شخصية «فريدي ميركوري» النفسية.

الفيلم لم يركز بتاتا على خلفيته اﻷسرية، أي على مسقط رأسه زنزبار في تنزانيا، وكيف انتهى به المطاف به وبعائلته في بريطانيا. بالكاد رأينا مشاهد لفريدي مع عائلته التي كانت من بين الأسباب التي حفزته لإنتاج بعض الأغاني، خصوصا أن فريدي لم ينس أبدا أصله وخلفيته الدينية، وهذا ما ظهر جليا في بعض الأسطر المستعملة في أغنية «Bohemian Rhapsody». الأهم من كل هذا هو أننا لم نشعر إطلاقا بذلك الشعور الذي يراود كل إنسان مغترب في مجتمع غربي يفرق بين الناس باختلاف اللون والجنس، الفيلم لم يقدم إطلاقا أي لمحة ولو بسيطة عن هذا الشعور، دون أن ننسى مرور الفيلم مرور الكرام على خلافه مع أبيه بتقديم مشاهد مرت بسرعة كبيرة دون إضافة الشحنة العاطفية المناسبة لمثل تلك المشاهد الدرامية.

لم نر ذلك العمق الكافي لحياة فريدي قبل الشهرة وكيف أثر ذلك على حياته بعد النجومية، ولم يعط كذلك مساحة كافية للفترة ما بين مقابلة فريدي لـ«براين ماي» وبين تأسيس الفرقة، كأن باب الشهرة والنجاح كان يقف على عتبة فريدي، دون أي صعوبة تذكر في الفيلم لتحقيق ذلك.

من بين الأشياء التي أغضبتني هو تصوير الفيلم أن فريدي ميركوري علم بإصابته بالإيدز قبل حفل «Live Aid» وفي الحقيقة أنه علم بمرضه بعد ذلك الحفل بسنتين، وهذا ما جعلني أتساءل عن السبب الذي دفع بالمخرج لتغيير حقيقة كهذه، هل كان يحاول أن يعطي الحفل مشاعر مصطنعة وقيمة لم تكن موجودة نهائيا في الواقع؟ سؤالي هذا يرجعني لكلامي السابق حول أن مخرج الفيلم قام بالتركيز على حفل «Live Aid» أكثر من أي شيء آخر.

مشكلة عدم تحديد هوية الفيلم الذي تحدثت عنها سابقا في الموضوع، تقع كثيرا في أغلب الأفلام التي تتحدث عن الفرق الموسيقية، لكن هناك أفلام نجحت في تجاوز هذه المشكلة بطريقة جذابة جعلت المشاهد يسبح مع الفيلم منذ الدقيقة الأولى، خصوصا فيلم «Straight Outta Compton» الذي يحكي قصة فرقة الهيب الهوب العظيمة التي ظهرت في غرب أمريكا في أواخر الثمانينيات. قدم لنا مخرج الفيلم أعضاء الفرقة بطريقة رائعة، بدأ مع «دكتور دري» ثم «آيس كيوب» ثم البقية دون نسيان الهدف الأوحد للفيلم والذي هو كيف عانت الفرقة في بدايتها وسط المجتمع الأمريكي العنصري آنذاك، مقدمًا قصة ملحمية درامية أعتبرها من بين أعظم الأفلام الموسيقية في التاريخ.

نعود للحديث عن الفيلم، لا أحد ينكر قيمة وجودة الممثل «رامي مالك» على الساحة الفنية، خصوصا بعد الأداء الرائع الذي قدمه في مسلسل «Mr Robot»، وبرأيي أنه قدم أحد أفضل عروضه على الإطلاق في هذا الفيلم، لكن لم أشعر في أي لحظة من لحظات الفيلم أني أشاهد شخصية «فريدي ميركوري». للأسف هذا الشعور راودني طوال أحداث الفيلم، حتى ذهب بي للاعتقاد أنك إذا أزلت اسم «فريدي ميركوري» من أحداث الفيلم ووضعت مكانه اسم آخر، فلن يلاحظ أي أحد الفرق. نعم المظهر واللباس كان قريبا بشكل كبير من شخصية فريدي، لكن الهيئة الجسمانية والتصرفات كانت مختلفة بشكل كبير عن فريدي الواقع، وصراحة لا أعرف لماذا لم يتم التفكير في الممثل «ساشا بارون» لأداء شخصية فريدي، أرى أنه الشخص المناسب خصوصا مع التشابه الكبير بينه وبين فريدي، دون أن ننسى أنه يتمتع بكل المؤهلات لكي يقدم لنا نسخة قريبة للواقع عن «فريدي ميركوري».

رغم كل هذه الأشياء السلبية التي تتحدث عنها، إلا أن الفيلم كان ينقذني من الضياع مع كل مشهد موسيقي يتم عرضه، أداء الأغاني كان هائلا جدا وأقرب للواقع بكثير، وكان يعيد للفيلم بعضا من الطاقة التي خطفتها سذاجة تقديم الشخصيات وتسارع الأحداث. الفيلم خيب ظني كثيرا، لكن هذا لا يعني أن الفيلم كان كارثيا بكل المقاييس، بل الفيلم له إيجابياته وسلبياته مثل الأفلام الأخرى، والفرق هنا هو أن السلبيات طغت على الإيجابيات بشكل واضح ودمرت فكرة أن الفيلم كان سيكون تحفة سينمائية ستبقى خالدة في التاريخ، لكل بنظري أن هذا سيفتح الباب لأعمال أخرى لتحكي لنا قصة نجاح فرقة «كوين» في المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد