القصة الدرامية

لما مات النبي – صلى الله عليه وسلم – مكث الناس بعده ثلاثة قرون لا يعرفون شيئًا اسمه الحديث أو السنة، حتى جاء البخاري، فكان جالسًا تحت شجرة التفاح يشرب الشاي ويلتهم البسكويت، ثم فجأةً سقطت على رأسه محبرة وقلم وكنَّاشة، فقال ماذا سأفعل؟ هاه، سأكتب بعض الأحاديث النبوية للمسلمين وأقول إنها من عند رسول الله، وطبعًا جاء من بعده علماء الأمة الإسلامية فأخذوا تلك الروايات بأعين معصَّبة وصاروا يبنون عليها عقائدهم الدينية وقواعدهم الشرعية، وقلدهم العوام في هذا أمدًا مديدًا، وظل المساكين هكذا حتى جاء بعض العباقرة النوابغ في عصرنا هذا، ففُطنوا إلى هذه الخذيعة الكبرى والدسيسة العظمى التي ضُحك بها على ذقون الأمة لمدة ردحٍ طويلة من الزمن.

طبعًا هذه هي القصة الدرامية التي يرويها لنا القرآنيون، ومنكرو السنة، والجاهلون لعلوم الحديث وتاريخ السنة، والناقمون على البخاري، فدعونا نناقش دعاواهم باختصار.

هل كتب الأحاديثَ البخاري؟

البخاري لم يكتب الأحاديث، وجامعه الصحيح ليس أول الكتب، بل الأحاديث كانت موجودة قبله رحمه الله وكذلك الكتب، وأشهر هذه الكتب هو موطأ الإمام مالك رحمه الله ومن لا يعرفه، فقد وطَّأ كتابه العامر بكلام النبوة قبل أن يولد البخاري حتى، بل دُوِّنت السنة بصفة رسمية في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي أمرَ واليه على المدينة أبا بكر بن حزم، بجمع السنة وتدوينها، وانتُدب المحدث والمؤرخ ابن شهاب الزهري رحمه الله لهذا الأمر، وابن شهاب هذا ولد سنة 54 للهجرة، بمعنى أن الرجل الذي جمع السنة قد وُلد في عهدٍ كان ما يزال فيه جمعٌ من الصحابة أحياء، وقد كان ابن شهاب كثيرًا ما يروي عن أنس بن مالك رحمه الله. ما معنى هذا؟

معناه أن الرجل الذي جمع السنة، كان بينه وبين رسول الله رجل واحد، وهو أنس خاذم الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان الزهري يقول: قال لي أنس، قال رسول الله.

بل أكثر من ذلك، لقد كُتبت الأحاديث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حياته، فكتبَ علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه الأحاديث في كرَّاسة سمِّيت بصحيفة العقل، وكتبَ عبد الله بن عمرو بن العاص واشتهرت صحيفته بالصحيفة الصادقة، وصحيفةُ عمرو بن حزم، وغيرهم، وقد وصلتنا صحائفهم.

إذًا فالبخاري رحمه الله لم يكتب الأحاديث كما يتوهم هؤلاء، أو كما يريدون إيهامنا، بل كانت الأحاديث مكتوبة قبل البخاري، فكتب الإمام مالك وابن جريج وعبد الله بن المبارك، وقبلهما جمعت السنة في عهد ابن شهاب، بل وكُتب الحديث في عهد التابعين ووصلتنا صحائفهم، كصحيفة وهب بن منبه، وسعيد بن جبير، وغيرهم، بل كتب الحديث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم.

فما الذي فعله البخاري إذًا؟

ما الذي فعله البخاري؟

العمل الذي قام به الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، حتى جعله ذلك على طرف كل لسان وكتابَه تطير به الركبان، ليس أنه أول من كتب الحديث، بل إنه أول من جمع الأحاديث الصحيحة، فقد سبق وقلنا أن السنة قد جمعت في عهد ابن شهاب الزهري، لكن السنة آنذاك قد جمعت بغثها وسمينها، صحيحها وسقيمها، فكان المحدثون يجمعون كل شيء، لا يفرزون الحديث الصحيح عن الضعيف، وذلك لأسباب علمية، منها مثلًا جمع جميع طرق الحديث، فقد يكون الحديث ضعيفًا بنفسه، لكن قد يأتي من طريق أخرى فينتقل لمرتبة الحديث الحسن بغيره، فلو أنهم لم يجمعوا جميع الأحاديث في مرحلة تدوين ولملمة أطراف السنة، لضاعت الكثير من طرق الأحاديث، لكن عندما جاء البخاري رحمه الله، كانت السنة قد اكتملت إجمالًا واختمرت، وكان رجال الحديث قد نخلوا مريض الأحاديث من صحيحها، وعقيمها من قويمها، لكننا لم نكن نمتلك أي مصنف مجرِّدٍ للأحاديث الصحيحة، باستثناء موطأ الإمام مالك الذي كان مخلوطًا بفقهه رحمه الله، وبالعديد من المراسيل والبلاغات.

فوقع في قلب الإمام البخاري رحمه الله أن يفرد مؤلَّفًا يجرِّد فيه الأحاديث الصحيحة دون غيرها، وقد كان رحمة الله عليه ذا ساعٍ وباعٍ في الحديث، وأميرًا خبيرًا في صنعته، ما جعله يختار ليس الصحيح فقط، بل أعلى درجات الصحيح في الحديث متنًا وسندًا، أقوالًا ورجالًا، وهذا كل ما فعله البخاري رحمه الله، أنه نظر في الأحاديث التي وصلتنا، فاختار الصحيح منها ووضعه بين دفَّتي كتاب، وبهذا يبطل قول القائلين بأن: الأحاديث ظهرت مع البخاري بعد ثلاثة قرون.

لكن لماذا لم تكتب الأحاديث في عهد الرسالة؟

لماذا لم تكتب الأحاديث في عهد الرسالة؟

بلى لقد كُتبت، وذكرنا من ذلك الصحائف التي وصلتنا كصحيفة عمرو بن العاص وعلي رضي الله عنهما، لكن هذه الكتابات كانت خاصة، ولم تُجمع السنة بصفة رسمية جماعية وتدون كما حدث في عهد ابن شهاب، وأسباب ذلك كثيرة، وأشهرها وأظهرها هو عدم الحاجة لكتابة السنة في ذلك العصر، فسبب كتابة السنة أصلًا هو الخشية من ضياعها، وظهرت هذه الخشية عندما انقسمت الأمة وظهرت الفرق وظهر معها الوضع والكذب والزندقة والتقول على رسول الله، أما ونحن في عهد الرسالة، لماذا سنكتب السنة وهي محفوظة بين العدول في الصدور ومكتوبة في السطور؟ بل لم يجمعوا حتى القرآن أصلا في ذلك العهد، وإنما جُمِع هو كذلك حينما دعت الحاجة إليه وخيف من ضياعه بموت القراء وتفرق الحفاظ، وهذا كان السبب الرئيس.

إلا أن المعترضين على كتابة الحديث كان لهم رأي آخر، وهو استدلالهم بحديث أبي سعيد الخذري الذي يقول فيه رسول الله: لا تكتبوا عني شيئًا، والعجيب في هذا الاستدلال الدائري أنهم يستدلون بحديث لإسقاط الحديث، كما أنهم يأخذون حديث النهي عن الكتابة ويتجاهلون أحاديث الإباحة، كحديث عمرو بن العاص الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم له: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق، وحديث أبي شاه وغيره، وعلى غرار هذا، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تكتبوا عني، له عدة تخريجات، منها:

• أن النهي عن الكتابة كان في بداية الوحي حتى لا يختلط الوحيان على الصحابة.

• أن النهي قُصد به النهي عن جمع القرآن والسنة معًا في صحيفة واحدة.

• أن أحاديث الإباحة ناسخة لأحاديث النهي.

• أن النهي نهيٌ عن التدوين الرسمي والجمع، أما من أراد أن يكتب لنفسه فلا بأس.

وحاصل القول إن الأحاديث كتبت في عهد الرسالة في صحائف خاصة، لكنها لم تدون وتجمع بصفة رسمية حتى ظهرت دوافع ذلك وأسبابه، والبخاري حتمًا ليس أول من كتب ولا أول من دون الحديث، بل هو مِن أول مَن اختار الأحاديث الصحيحة فأفرد لها مصنفًا خاصًا.

الفترة بين البخاري ورسول الله

لنسلم جدلًا أن البخاري هو أول من كتب الأحاديث، وماذا بعد؟

رسول الله صلى الله عليه وسلم مات سنة 11 للهجرة، والبخاري وُلد سنة 194 للهجرة، بمعنى أن المدة بينهما هي 183 سنة فقط، أي أنها لا تتجاوز قرنين من الزمان، ونحن اليوم نحكي عن أشخاص عاشوا قبلنا بثلاثة قرون بل بسبعة، بل نحكي عن سقراط وأرسطو الذين عاشوا قبل الميلاد بكل ثقة وتفاخر، حتى بدون أسانيد أوضوابط أو مناهج علمية، بينما البخاري رحمه الله كان يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة رجالٍ وأحيانًا بأربعة أو حتى بثلاثة، فكان مثلًا يروي عن مكي بن إبراهيم عن مولى سلمة عن سلمة بن الأكوع، ومثال ذلك قولُنا:

حدثني أبي عن جدي عن أبيه، فهل هذه فترة زمنية طويلة؟

فأضف إلى هذه المدة القصيرة بين البخاري وبين رسول الله، تطلُّبه لعلم نقد الرجال وضرورة اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلو متن الحديث وسنده من الشذوذ والعلة، ومن كل القوادح التي تخضع لمنهج علمي عقلي رصين، هو علم الحديث بكافة فروعه وضوابطه.

فلو أسلمنا أصلًا أن البخاري أول من جاء بالأحاديث، فالمدة بينه وبين رسول الله مدة قصيرة جدًا، يصل إليه البخاري بسند عالٍ قوي متين مُطَمْئِن، بيد أن البخاري قبله ووراءه أمة كاملة تفحص ذبيب نَبسِه ببنت شفة عن رسول الله، فلو أبدل الكَسرة فتحةً والله ما أخذ عنه العلماء، ولأقاموا على تلك الكسرة الدنيا ولم يُقعدوها، فكيف يزعم هؤلاء المنشقون الجدد أن البخاري ضحك على أمة طيلة 12 قرنًا من الزمان، كأن هذه الأمة لم يمر فيها لا علي بن المديني، ولا يحيى بن معين، ولا أحمد بن حنبل، ولا شعبة، ولا الثوري، ولا الأعمش، ولا الدارقطني، ولا الحاكم قبل البخاري وبعده، وكأن الذي قاد هذه الأمة أكباش عيد لا علماء أفنوا الأعمار وباعوا الدار والحمار في طلب سند الأثر الواحد.

خلاصة

البخاري رحمه الله إما يُنتقد عن نية مبيتة وإما عن جهل، فأما الذين ينتقدونه عن نية مبيتة فهم يسعون لهدم السنة ككل، بحيث إذا سقط أصح الكتب بعد كتاب الله سقط ما دونه من كتب السنة من باب أولى، وإسقاط السنة فتح لباب إسقاط القرآن ولوي أعناق آياته على مصراعيه، فالسنة هي المقرِّرة لأحكام القرآن والمبينة لمبهمه والمفصلة لمجمله، والمخصصة لكثير من عامه والمقيدة لعدد من مطلقه، والمفسرة لكثير من مُشكله، فالقرآن كما يقول الشاطبي رحمه الله، أحوج للسنة من حاجة السنة للقرآن.

أما الذين ينتقدون البخاري عن جهل، فالأحاديث لم تسقط على البخاري من الشجرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد