على مدار أسبوعٍ، وكلما تصفحت مواقع التواصل الاجتماعي وخاصةً LinkedIn ترى المنشورات والروابط المتتابعة؛ إما موظفٌ يتحدث عن إقالة شركته له -كتبت كلمة طرد بدلًا من إقالة، ثم بدلتها بكلمةٍ أخف، ولكن في الحقيقة هي طرد- وإما موظفٌ لا يزال باقيًا في شركته يودع زملاءه، ويخبرهم أن يتواصلوا معه، إذا احتاجوا مساعدة، وهو يعلم أنه لن يستطيع أن يساعدهم، وكأن الشركات أصبحت آلهةً في الدنيا؛ تجعل من هذا شقيًا وذاك سعيدًا، وكأن موظفي الموارد البشرية أصبحوا ملائكةً العذاب والرحمة على الأرض ينفذون قرارات الشقاء والسعادة للموظفين.

منذ مئات السنين، كان حظك السيئ يمكن أن يجعلك عبدًا لأحدهم طوال حياتك، قد يكون لأن ولدت لأبوين من العبيد، أو تم خطفك وبيعك، أو كنت ضمن غنائم الحرب في يد المنتصر. وكانت تتلخص حياة العبد في خدمة سيده أو أسياده مقابل الطعام والشراب ومكانٍ للنوم، وكان الأمر مألوفًا للمجتمع. ومع مرور الزمن لم يعد هناك عبيدًا على هذه الصورة الصريحة المقبولة مجتمعيًا، ولكن العبودية موجودة في صور أخرى مع تغيير بعض المسميات وزخرفة الصورة من الخارج ببعض اللمسات التي تخفف من حقيقة العبودية التي تحتويها.

عندما تم اكتشاف فيروس كورونا أو المسمى بالإنجليزية (COVID-19) في ديسمبر عام 2019م؛ والذي صنفته منظمة الصحة العالمية على أنه جائحة في مارس 2020م، بدأت كثيرٌ من الأشياء في التغير، على مستوى الأفراد والعلاقات والمدن والدول، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي؛ بل السياسي، وكان من بين هذه التغيرات العنيفة القاسية طرد العديد من الشركات لمئات وآلاف الموظفين، في وقت كتابة هذا المقال طردت شركة عربية واحدة أكثر من 500 موظفٍ دُفعة واحدة، وشركة أخرى عالمية طردت أكثر من 3000 موظف دُفعة واحدة، علمًا بأن هذه الشركات حققت أرباحًا بالميارات في سنوات قليلة بفضل موظفيها.

ما إن ترى الشركات أن حصتها السوقية تتأثر، ومركزها المالي يضعف، وقيمة أسهمها تنخفض، تنظر حولها فلا ترى إلا طرد موظفيها لتقليل التكاليف، ولا ترى الشركات أنه يمكن إيجاد حلول أخرى تكون التضحية فيها ببعض الملايين التي حققتها من خلال عمل هؤلاء الموظفين على مدار سنوات؛ الذين بنوا هذه الشركات بعملهم وتفكيرهم وجهودهم؛ ليظهر أصحاب الشركات على أنهم العباقرة الذين أبدعوا وحققوا وأنجزوا، وكأن الموظفين عبيدًا يبنون الأهرامات مقابل الطعام والشراب، وقد يموت العديد منهم أثناء العمل ليتم تعظيم خوفو وخفرع ومنقرع في النهاية على أنهم حققوا وأنجزوا وبنوا، وليذهب العمّال إلى الجحيم.

تتأثر الشركات كما يتأثر كل شيء في الفترة الحالية، ولكن أصحاب الشركات لا يريدون أن يخسروا شيئًا من أموالهم وأرصدتهم وأسهمهم ورأسماليتهم اللعينة، يمكنهم أن يوازنوا بين بعض الخسائر المادية في مقابل ألا تكون التضحية الأسهل لهم بالموظفين، هذا لأنهم يرون في موظفيهم عبيدًا يعملوا لديهم مقابل الطعام والشراب والمسكن. أليس هذا ما يحدث في الواقع مع تغيير المسميات؟ أليس هذا ما كانوا يطلقون عليه في الماضي عبودية؟ ألم يصرّح أحد أصحاب الشركات بأنه يمكن أن ينام العمّال في مصانعه وألا يعودوا إلى منازلهم لتقليل الاتصال، وحين سألته المذيعة ماذا يفعل هو؛ قال إنه لا يقابل أحدًا ويجلس في بيته مع أبنائه ويمنعهم عن مقابلة أحد؟ ألم ترَ موظفًا يعمل لسنواتٍ وسنواتٍ بكل جد وجهد، فإذا نجحت الشركة كان صاحبها هو العبقري وإذا خسرت تم طرده بكل سهولة؟ ألم يفكر هؤلاء في أن الموظفين لديهم التزامات وعائلات وأطفال؛ هذا إلى جانب الآلام النفسية التي يكابدونها جرّاء ذلك؟

أليس ذلك الشخص الذي يعيش في الماضي في بيتٍ بسيطٍ، يزرع قطعة أرض صغيرة يأكل منها ويربي بعض الأغنام أكثر حريةً، أم ذلك الموظف؛ الذي عانى عند التقديم للعمل لتحقيق شروط لا تتوافر إلا في مخلوقات فضائية، وعانى كل يومٍ في العمل حتى يتم طرده في النهاية من أجل أن يعيش في منزلٍ أرقى ويمتلك أجهزةً أحدث ويساير التقدم والتعقيد والحضارة؟

أيهما حر، وأيهما عبد؟ أيهما شقي، وأيهما سعيد؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد