بهمس سماوي في أذن أعظم الخلائق صلى الله عليه وسلم، قال اقرأ، فكانت أول جملة في الإسلام، «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، فهي أول أمر إلهي، وأول مفتاح لحضارة الإسلام، وأول شعار لنهضته، وما إن هجرناها حتى ضيّعنا حضارتنا وفرّطنا بنهضتنا، وعدنا لجاهليتنا الأولى.

بعيدًا عن الأسباب والمسببات التي جعلتنا نهجر الكتاب، ولا مبرر لذاك الهجران، أتعجب من إعراضنا عن ذاك الكنز الثمين، وهو أساس بناء الحضارة، وغذاء العقل والفكر، ووقود التقدم والنهوض، وهو خير صحبة وخير جليس.

أعز مكانٍ في الدنى سرج سابحٍ  وخير جليسٍ في الزمان كتابُ

قالها أبو الطيِّب المتنبِّي، يوم كان للأدباء والشعراء دورٌ في التَّوجيه والنُّصح، ويوم كانت لغتنا العربيَّة الجميلة لغة العصر.

عندما تعكف على قراءة كتاب ما، بغية هدف أو مراد، تسلية أو مطالعة، تسافر إلى عالم آخر عبر سطور وكلمات بحيّز اللاشعور، فتخرج من هذه الدنيا إلى دنيا لا مكان ولا زمان فيها، لا نقائض ولا اضطرابات، لا صديق ولا عدو، تجد لروحك حريتها المطلقة، ولذة مستساغة محرقة.

عالم تقطف فيه ثمار الأفئدة والعقول، وتبحر في بحار التجارب والأثر المنقول، وتعيش في أيام القدم والعصور، فتتقلب في أحوال متفرقة وأحاسيس مغدقة، فتكون كعاشق يتعذب بالهجران أو يتنعّم بالوصال، وكفقير أضحى غنيًا أو غني غدا فقيرًا، وكمنتصر مهزوم أو مهزوم منتصر، عالم تكسوه الأفكار والمعاني، الأشواق والأحزان، المطامع والمطامح، السبل والغايات.

تصحو من اللاشعور قليلًا، فتدرك أنك قد اكتسبت صديقًا جديدًا ليس ككل الأصدقاء، وصحبة لها معنى آخر، صحبة لا يشوبها غش أو ملق، ولا خداع أو مكر، صحبة لا تخشى معها سوء المنقلب، ولا مرارة الخذلان.

«مللت كلّ جليسٍ كنت آلفه إلاّ الكتاب فلا يعدله إنسانُ» *المتنبِّي

فالكتاب يخلق للنفس دنيا أخرى، تحلّق في سماء أسرارها، وتغوص في أعماق معاني أفكارها، أو في أعماق أفكار معانيها، حتى تصل إلى معلوم المجهول ومجهول المعلوم، فالكتاب خالق ومخلوق، فبقدر ما يخلق فيك فكرًا، تخلق فيه مجهولًا، تقرن معهما صورًا وخيالًا، عواطف ومشاعر، آلامًا وآمالًا، زمنًا ومكانًا، حتى تكشف السرّ الدفين، وتصل الخبر القين، وتزهر في نفسك مجاز الحقيقة، الذي يضفي المعنى للحياة التي ليس لها معنى، والحياة للأشياء التي لا حياة لها، فتكتمل أطر صحبة الكتاب، في دائرة الشوق والشغف، أركانها لذة المجهول وإدراك المعلوم.

وخير ما قيل في صحبة الكتاب، قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي:

       أنا من بدّلَ بالصحبِ الكتابا … لم أجدْ لي صاحبًا إلاّ الكتابا
       صاحبٌ إنْ عِبتهُ أو لم تَعِبْ … ليس بالواجد للصاحب عابا
  كلّما أخلقته جددني … وكساني من حلي الفضل ثيابًا
صـحبـةٌ لـمْ أشـكُ مـنهُ ريبـةً … وودادٌ لمْ يكـلفْني عتابًا
   إنْ يجدني يتحدثْ أو يجدْ … مللاً يطوي الأحاديث اقتضابًا
تجدُ الكتبَ على النقدِ كما … تجدُ الإخوان صدقا وكذابًا
    فتخيرْها كما تختاره … وادّخرْ في الصحب والكتب الّلُبابا
     صالحُ الإخوان يبغيك التُّقى … ورشيدُ الكتبِ يبغيك الصوابا

وبنظرة التّأسف ومرارة الحال في عالمنا العربي، يظهر تقرير أصدرته مؤسسة الفكر العربي أن متوسط قراءة الفرد الأوروبي يبلغ نحو 200 ساعة سنويًا، بينما لا يتعدى المتوسط العربي ست دقائق، وحسب إحصاءات منظمة «اليونيسكو»، لا يتجاوز متوسط القراءة الحرة للطفل العربي بضع دقائق في السنة، مقابل 12 ألف دقيقة في العالم الغربي.

القراءة مفتاح المعرفة وطريق الرقي، وما من أمة تقرأ إلا ملكت زمام القيادة وكانت في موضع الريادة، وعندما صارت أمة اقرأ لا تقرأ، خسرت حضارتها وعزّ مجدها، وجعلت نفسها في موضع التعيير والتشفي، حتى قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان قولته المشهورة: «العرب أمة لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت لا تفعل»، وليس عيبًا الاعتراف بأن هذا الكلام كلام حق، ولكن العيب ألا نغيّر ما فينا.

فهل نعود أمة تقرأ، وتفهم، وتتعظ، وتفعل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد