«القراءة المبالغ فيها لا تجعلنا أذكياء. بعض الناس يبتلعون الكتب وهم يفعلون ذلك بدون فاصل للتفكير. وهو ضروري لكي يُهضم المقروء ويُبنى ويُتبنى ويُفهم. عندما يتحدث إليك الناس يخرجون من أفواههم قطعًا من هيجل وهايديجر أو ماركس في حالة أولية غير مصوغة جيدًا. عند القراءة فإن المساهمة الشخصية ضرورية مثلما هو ضروري للنحلة العمل الداخلي والزمن؛ لكي تحول رحيق الأزهار المتجمعة إلى عسل».

لم يكن السياسي القدير والمفكر الكبير علي عزت بيجوفيتش زعيم استقلال البوسنة عبثًا حين أيقظنا من سكرة شهوة الاقتناء والقراءة عن الغاية النهائية والفائدة القصوى حتى لا يتحول الاقتناء إلى فخر والقراءة إلى فيهقة؛ فإذا كانت القراءة غذاء العقل فإنها كسائر الأغذية وإن كانت صحية فالإكثار منها سمنة تثقل الحركة إلا إذا أتبعت برياضة التأمل والتدبر ورياضة الحركة والعمل وإن لم تهضم جيدًا ذهب نفعها هباءً، أو على أقل تقدير صار صاحبها ببغاء يردد كلام غيره.

وإن تم كل ذلك واستبدل المرء بما يقيم صلبه ما هو رفاهي لا أساسي، تحلية لا تغذية؛ ذهب ماله وضاع عمره وضعف صلبه، وكان أهلًا للسقوط عند أول اختبار في ميدان العمل.

ويقول أيضًا هذا الفيلسوف والسياسي عن القراءة «امضغ ثلاث وثلاثين مرة وابتلع مرة واقرأ مرة وفكر تسعًا وتسعين مرة» فالتروي والاقتصاد في الشراء على ما هو معلوم النفع ولا مفر من مطالعته، ولابد من مراجعته ينبغي أن يكون هو ضرورتنا الشرائية؛ فليست الفائدة في مطالعة ما صُنف دون الوصول للبه، وحسبة الكثرة لا تُغني عن الخوض في القلة.

وإن لم أجد أفضل من «بيجوفيتش» في إجمال ذلك فإن الأستاذ زكي نجيب محمود أفضل من فصل بنظريته «النملية والنحلية» وأن الطريق إلى عسل المعرفة يحتاج إلى جهد كبير ولا يأتي من فراغ، أو بمجرد جمع ألوان المعارف والعلوم، ثم تخزينها واستجلابها وقت الحاجة إليها فقط، فهذا ولا شك يضعف روح الإبداع وربما يقتلها، وإنما علينا أن نجمع ونخزن مثلما يعمل النمل في جمع طعامه وتخزينه، ثم نحلل ونحول ونطور ونبتكر الجديد والمفيد، كما يفعل النحل في جمعه ما يمتصه من رحيق الأزهار ليخرجه عسلًا شهيًا.

والدكتور زكي نجيب محمود عقد مقارنة بين ما يصنعه النمل والنحل، وكيف أن الأول وظيفته مجرد جمع غذائه وتخزينه دون أن يغير فيه شيئًا، والثاني يجمع الرحيق من الأزهار، ثم يحوله ليصنع منه عسلًا فيه شفاء للناس.

وعلى طريق النمل اقتنينا ثقافتنا ومعارفنا دون أن نضفي عليها جديدًا يميزها أو تأملًا يفندها، ونضيف إليها فهمًا ابتكارًا وإبداعًا. كما فعل «دون كيخوتة» بطل الرواية التي ألفها (سيرفانتيز) فيرمز به إلى أولئك الذين يحفظون ما يقرؤون فلا يدركون ما وراءه ولا يضيفون إليه جديدًا، فيصوره محاربًا لطواحين الهواء ظنًا أنها فرسان معادية، ويهاجم قطعان الخراف على أنها جيوش الأعداء، فهو بذلك يعيش في القديم ليتنفس هواء مخزونًا بين صحف كتبت في عصر قديم، ولا يحاول أن يعيش عصره، ويبتكر فيه، وهكذا نجد من طراز «دون كيخوتة» مئات أمثاله يعيشون على القديم ويحشون أدمغتهم بكلمات السابقين لا لتكون نبعًا لفهم الثابت المحكم أو لتكون مصدرًا جديدًا، بل ليعيشوها مرة أخرى ويدوروا في فلكها دون ابتكار أو إبداع.

إن على المتحمس محب الاقتناء ومشتهي الكتب، من ذهب للمعارض متلهفًا يخشى فوات غنيمة قد لا تعوض؛ ألا تسكره شهوة الاقتناء للكتابات والمقولات عن هضم أعمدة الكتب، وأئمة الفكر، وما لا يتم صلاح دنياه وآخرته إلا به، وليوفر ماله ووقته وجهده للأساسيات دون الكماليات، وليس يلزم عن ذلك ألا يستمتع بوقته وألا يروح عن نفسه!

ربما ذلك مفهوم عند الكثيرين ونرجو ذلك وإنما نذكر المنتبه ليحفظ انتباهه والغافل ليفيق من غفلته.

ولكن ما السبيل عمليًا للهروب من ذلك؟! المهرب من ذلك يقوم على ستة أمور:

اقتناء ما يلزم وما لا يتم الواجب إلا به.

استراتيجية ما هو «عاجل» وما هو «ضروري» وفق «مصفوفة الأولويات».

اقتناء الكتاب الذي ستعيد قراءته وستراجع ما طالعته فيه.

الشروع في قراءته حتى تمامه.

التأمل والفحص والهضم والاعتبار.

التعليق والنقد بالإيجاب والسلب وكتابة الملاحظات.

التفعيل بالعمل والتوظيف بالمجال.

إلا أن كل ما سبق لا يجيب عما ينبغي أن نقرأه على وجه التحديد والتعين، فإن كان يعرض مبادئ ومنهجية بسيطة في الشراء، إلا أنه لا يعطي خريطة واضحة المعالم تصلنا بالأصول المحكمات والفروع المتغيرات والقدرات والواجبات.

وسنجيب على السؤال بأسئلة ليس طلبًا للتعقيد وإشكال المُشكل؛ فأنا أقول «قل لي من أنت؛ أقل لك ماذا تقرأ»، باختصار فإن الجواب متعلق بسؤال متعدد الزوايا:

من أنت؟ ما حقل دراستك؟ وما موضع عملك؟ وما المبهم والمُشكلُ في ذهنك؟ وماذا يطلب من دنياه وآخرته؟

فأنت بين القراءة للضرورة والقراءة للترفيه؛ فانتقِ فيما تقرأ ما لابد منه ما يجيبك عن تلك الأسئلة وما ستكون فيه مجدًا، وإلا فض.

وبإذن الله سنفصل ذلك في مقالنا القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثقافة, كتب, مجتمع

المصادر

الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيجوفيتش
عرض التعليقات
تحميل المزيد