كانت بداية معرض القاهرة الدولي للكتاب في عام 1969 مبادرة قدمها وزير الثقافة ثروت عكاشة، والذي طالما كان اسمه حارسًا للفنون والآداب، لا يقل قيمة عن طه حسين وعلي جواد وما سطره أئمة التراث العربي عنها، وكان دور ثروت عكاشة اتجاه طرح شتى ألوان الفنون للقارئ والمثقف المصري محفوظًا كاملًا في كتاباته قبل تلك المبادرة التي تُعد حتى اللحظة الحالية أكبر معرض كتاب في الشرق الأوسط.

معرض عام 1969 إذا وُضع في الميزان معرض عام 2017 الفائت، تُرى ما الذي يجعل كفة أيهما أثقل؟ هناك في الحقيقة عوامل كثيرة تجعل الفائت ناجحًا عما سبق من المعارض، بينما في عوامل أخرى يكون المعرض الأول للكتاب أكثر فاعلية عن غيره من المعارض.

حين نناقش أغراض معرض الكتاب، نجد أن الوظيفة الحديثة له لا تنطبق عما يفعله القارئ، الكاتب، أو الناشر، نستطيع رؤية دائرة من الأفعال تنتهي إلى نتائج لا علاقة لها بأهداف المعارض من الأساس.

وحينما تبحث في سلسلة الأفعال والنواتج تلك، تجد الضحية هم فاعلي تلك الأفعال ومتلقي تلك النتائج، وعندما تبحث عن الهدف للفاعل والهدف للمعرض نفسه تجد أنهما ذات الأهداف، كيف أصبحت الأهداف المشتركة نقطة يتيمة بين المعرض والمستفيدين مباشرةً منه؟ هنا حقيقةً هدفي من سلسلة المقالات التي أقدمها للقارئ قبيل معرض الكتاب الدولي لعام 2018.

لا محال أهمية معرض القاهرة الدولي تأتي من أهمية القاهرة في العالم العربي، ما زال الإبداع العربي يقصد شعب نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد، وما زال للقارئ المصري مقام بين سائر قُراء اللغة العربية، لما سمحت له بيئته المتنوعة من الثقافات والطوائف بأن يقدر على تذوق فنون مختلفة من العلوم والآداب، وسرعة تكيف المصريين على الأساليب، فتجد دور النشر الشامية والعراقية والخليجية والآتية من المغرب العربي تتوجه إلى هذا المعرض، بينما ربما نجد غياب بعض دور النشر عن بعض البلدان العربية نظرًا أن مبيعاتها في ذلك البلد لا تستحق تكلفة الرحلة.

والأهداف الأساسية من المعارض هو طرح ما هو جديد لهذا العام، وربما هو أمر غائب عن القارئ الذي بات يبحث عن الأسعار الرخيصة وحفلات توقيع الكُتاب، وأمر لا يكترث له الناشر الذي بات يبحث عن المبيعات والفوز بأكبر عدد من المنشورات ومشاهير الكُتاب لكي يلحق موسم البيع، وأمر فات الكاتب الذي لم يعد يدرك معنى المعارض نظرًا لرؤية المُتلقي أي الكاتب، وضيق منظور الناشر الذي أصبح مؤخرًا مستثمرًا.

إذا تمت مقارنة معرض الكتاب الفائت مع معرض كتاب فرانكفورت للكتاب، سنجد الكثير من المزايا الغائبة، مثل ورشة المعرض للكُتاب والقُراء، والنسخ المجانية التي تقدمها دور النشر، ومحاضرات عرض الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية التي يقدمها الكاتب إلى القارئ، وخطة النشر السنوية التي تقدمها دور النشر عن طريق قائمة المعرض التي أتت بها في تلك الدورة من المعرض، ولتلك الأمور الغائبة فوائد كثيرة لا يمكن توفيرها إلا في مناسبة مثل المعارض.

أولًا لا يمكن فرصة لمناقشات مثمرة لجمع الكُتاب في أجواء أفضل من معارض الكُتب، حيث إن عدد الكُتاب المتواجدين في المعرض يسمح لإقامة فاعليات تنقل خبرات الكتابة والبحث والتدقيق بين بعضهم البعض، وتضيف إلى النقاش أبعادًا جديدة ومواضيع لم يمكن الوصول إليها في مرحلة التخطيط لها، وتضع المشاهد والمُتلقي بين آلاف من وجهات النظر جميعها قيد الصواب وقيد الخطأ.

ثانيًا أفضل طريقة للكاتب وللناشر وللقارئ للالتقاء حول أرضين مشتركتين، أرض المعرض من حيث المعنى الفيزيائي المادي بالطبع، وأرض الكتاب الذي تم نشره في دورة المعرض تلك، حيث يستطيع تقديم الكاتب مع رعاية وتنظيم الناشر إلى القارئ ما يتناوله كتابه بطريقة محترفة، مما يسمح للقارئ باستيعاب الكُتب المعروضة والاقتراب من فكر الكاتب ومعرفة سياسات دور النشر.

ثالثًا، دقة اختيار الناشر الكتب المنشورة توضح هدفًا في إضافة أعمال ما لهذا العام، أمر مهم أن يكون لدور النشر هدف ما في مُجمل أعمالها، ربما نلتمس من بعض دور النشر الأجنبية أن بعضها لديه غرض سياسي شيوعي بحت، ودور نشر أخرى لها هدف علمي إنساني شمولي لا يميز أيديولوجيا عن أخرى، وربما دور النشر غير الحيادية التي تميل إلى أفكار معينة عن غيرها أكثر جدوى ونفعًا من تلك التي انتشرت في وسطنا العربي التي تبحث عن الربح وتعطي لنا أضغاث أقلام.

عندما ندقق في تاريخ معرض الكتاب المصري، ربما نجد تطورًا ملحوظًا في سنواته الأولى حتى عام 2007، والموضوع يرجع إلى مسألة الضيوف والشخصية التي يتم تكريمها، ولكن منذ زمان أصبح تطوير المعرض أمرًا منسيًا، أصبحت أفكار القائمين على تنظيمه عفنة رزية يأكلها الدود، وأصبح القائمون على مسألة النشر والقائمون على الأقلام مؤخرًا باحثين عن المبيعات إلا قلة قليلة، وبين عفنة العقول وجشع الكفوف ضاعت قيمة المعرض.

وهنا حقيقةً في هذا المقال وما يليه بعض النقاط التي تحتسب لبعض أطراف صناعة الكتب من قارئ وكاتب وناشر، وأعرض بعض النقاط الأخرى التي تحتسب على بعض أطراف صناعة الكتب من قارئ وكاتب وناشر.

هدفي هنا ليس أن أقدم جملة سعد زغلول الشهيرة «مفيش فايدة»، أو أن ألتحق بالعصر الذي يأتي فيه الكاتب لكي يقول «أنا مثقف هذا الزمان وسواي المسوخ»، لكني أعلم أن من بين فوضى الطمع وغياب الفكر مثقفين أكثر مني وكُتابًا أفضل مني وناشرين يحافظون على الصناعة أكثر مما حاول السابقون، وهنا تحديدًا أدعمهم بأن أضع بين أيديهم قارئًا يدرك قيمتهم.

عزيزي القارئ، هذا دليل لك لكي تصل إلى الناشر الصحيح والكتاب الصحيح والكاتب الصحيح، أن تصنع من فوضى سباق الإيرادات الأبله أي فائدة غير ضياع أموالك بلا فائدة، ومقارنة تفصيلية بعض الشيء حول كيف أصبحت مبادرة ثروت عكاشة رحمه الله إلى مبادرة «الفنكوش».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد