لا أدري متى استطاع الكاتب إخفاء الحقائق مثلما يستطيع هذه الأيام، يبنون عالمًا خاليًا من الجنس والمخدرات والشتائم، عالم فيه مراهق يُصلي العشاء، وفتاة حسناء تبحث عن رجل يأتي ليتزوجها، عبر قرار صلاة الاستخارة في أحد الصالونات العائلية، وسائق تاكسي يُشغل القرآن الكريم، ويلقي عينيه على الطريق، ليس على فخذ الراكبة معه عن طريق مرآة الصالون.

لم تتوقف المُثل والأخلاقيات عند هذا الحد، يكتب العديد من الكُتاب في الشخصيات العامة والرؤساء بإيقاع الأنبياء، تجد أيام الرئيس والوزير والسفير والقاضي والفنان، مثل أيام عامل خطوط القطارات، وربما يشكو الاثنان من ذات الحكومة في ذات اللحظة، ولا تستبعد أن تجد أن مبارك في كتابات البعض كان يخشي توريث الحُكم، وترشح جمال مبارك، أو كان يشكو في مذكراته التي يكتبها الآخرون سعر تصدير الغاز لإسرائيل، وربما رأى البعض في كتاباتهم أن أحمد عز قد صرح إلى النائب أحمد عز عن فساد ذوي رؤوس المال في البلد مثل أحمد العز الذي يحتكر الحديد تحت مُسمي حديد عز.

لم تتوقف التقاليد عند تقديم الشخصيات العامة بشكل زائف، ولا حتى في سرد مجتمع عالم سمسم، ولكن أتى من لديه القدرة على استغلال هذا الغائط لكي يستنتج شيئا ما، وأنا لا أدعو أن نمنع الغائط من الانتشار، بالعكس أنا أدعم انتشار الغائط والأدب السيئ، وفرصة التعبير يجب أن تكون مفتوحة طوال الزمان للمنافقين والمُدعين ولاعقي أحذية السياسيين، ولكن ما أدعو له هو أن يدرك القارئ معنى القراءة الحقيقي.

القارئ يحتاج إلى إعادة النظر في بعض مقدساته الخاصة نحو القراءة وأزمة الأخلاق، أن يدرك القراءة سماعا مطلقا بلا قيود وتأمل في كل درجات الألوان، وألا يغلق عينيه عندما تقترب الشفاه من بعضها البعض في المشاهد، أن يعلم السيد الرئيس قادرًا على أن يكون لصًا، أن السادة المُحترمين العُلماء كثيرًا ما يحملون في جيناتهم بعضًا من اللواتي يصنعن الاعتقادات الخاطئة طوال تلك السنوات الماضية من التاريخ الإنساني.

النضوج الذي نبحث عنه هو الذي يدعم الروائي والشاعر والمؤلف المسرحي في الأول، والذي يدعم في النهاية العُلماء والباحثين من استعداد المُلتقى للرسائل المكتوبة في طيات الكُتب، بينما القارئ يشمئز من قول أحمد مراد في روايته 1919 مثلًا شعبيًا ذُكر في العديد من كُتب الأمثال، وهو مثل (.. إذا كبرت عرصت)، ويخشى قراءة وظيفة عاشت في مصر في سنوات الاحتلال الإنجليزي (العرص باشي)، هو قارئ سطحي يحتاج لتطوير نظرته نحو الأخلاق.

قد نجد القارئ الذي يقرأ مشاهد جنسية، ويتقبل شرب الخمر، والألفاظ الخادشة للحياء، وقد نراه لا يشكو، بل يطيل السماع للأحداث، ويشوب عملية القراءة خلل نتيجة غياب قدرة الكاتب في التفريق بين مهمته وبين تاجر المخدرات والقواد، أكثر من أربعين عنوانًا قرأتهم شغلهم التعبير بالألفاظ النابية والمشاهد الإباحية والعادات المنبوذة اجتماعيًا، ولم يستطيعوا إرسال أي رسالة إلى القارئ من خلال تلك السلسلة من الهجوم على مقدسات القارئ.

عندما استخدم نزار القباني جسد المرأة للوصف، قدم به قضية فلسطين، سلم وأوكتيفيا وراهب استند عليهم يوسف زيدان، فقدم إلى القارئ العربي قصة التعصب الديني والتطرف الذي صنعته كفوف المسيحيين الأرثوذوكس الأوائل، ومقتل هيباتيا، واستطاع مثلًا صبري موسى وصف قصة نيقولا العجوز بعلاقة غير شرعية مع ابنته؛ لأن الأب الذي نسي النشوة بعد رحيله عن أمها، وجد الشبه بين ابنته وزوجته، ووجد نفسه في النهاية يدفنها في أحد شقوق الجبل، يقدم الجنس عالمًا جديدًا، كانت الأداة التي تحرك الحدث.

استخدام الأفيون كوسيلة ردع العسكري الأسود في رائعة يوسف إدريس لوصف السجن السياسي، واستخدامه مرات أخرى في وصف الدرويش في رواية (الأفيون) لمصطفى محمود، استخدم مراد مخد (DMT) لكي يقدم رحلة إلى عصر آخر، ليحكي واقعة مذكورة بتاريخ الجبرتي، واستطاع العديد من الكُتاب استغلال الخمور لكي تُقدم مشاهد وجدانية عبر شخصياتها، مثال مشهد عادل إمام بـ(عمارة يعقوبيان) و(زمن المسخ)، كل تلك الأشياء أدوات للوصف، وهي من منهيات القارئ المصري.

يستطيع الناس إنكار الفقر المنتشر واعتباره حالة نادرة، وربما هي إحدى النقاط التي يطعن فيها القارئ في بناء رواية مثل رواية يوتوبيا التي كتبها العظيم خالد توفيق، ينكرون العلاقات الجنسية بين الشباب لدرجة إنكار وجودها، وتصبح رواية كل هذا الهراء قصة جنسية خيالية لم تحدث من قبل بالنسبة للقارئ، يستطيع القارئ أن ينكر أدبيات الذين رحلوا عن جماعة الإخوان، وبذلك ينكر كُتب الخرباوي جمعًا، وربما يقوم بنفي ميلاد كاتب، مثل سامح فايز، باعتباره قد كتب ذات يوم (جنة الإخوان.. رحلة الخروج من الجماعة)، إلى آخر نظريات إنكار الحيوات الأخرى التي بها قد يصف الكاتب حقيقة أو فكرة ما في عقيدته.

وما يحدث مع الأدب ودنيا الخيال يا سادتي يحدث مع غيره، نجد نسخا منقحة للبيان الشيوعي، ونرى أيضًا كُتبًا فقهية ينقصها العديد من الفتاوى والأحكام نظرًا أن السلطة الدينية التي توالي السلطة الحاكمة ترى أنها قد تضر بمصالحها، والعديد من الكُتب العلمية المثيرة للجدل، مثل: (أصل الأنواع) تكون النسخة العربية منه منقحة لكي لا تتصادم مع عقيدة القارئ، وهذا التشويه في الحقيقة تقليل من جهود طرفي الرسالة، من أرسلها ومن اُرسلت له، القارئ الذي يرضى كتابًا ناقصًا هو في الحقيقة عبد السلطة لا سواها، والكاتب الذي يتم قص كلماته ومحوها من مكانها أو تبديل ترتيبها، هو كاتب تم زجه بأحد زنازين الانفراد.

رُبما يكون القارئ ناضجًا ويجد أزمة في قراءة بعض الكتابات نظرًا لأن الجنس واللا أخلاقية فيها ليس له دور واضح، ونستطيع أن نرى العديد من الأعمال تقوم بوصف ما ليس له استخدام ضمني في النص، مثل أن مراد لم يقدم لنا في عمل تراب الماس بالشذوذ الجنسي فكرة معينة غير عبارة تبدو ماركسية بعض الشيء، وهو التعبير عن أن أبناء الأغنياء يصبحون شواذًا حينما يكبرون.

ولا أضع القارئ في سياق أن عليه أن يقرأ الجنس واللا أخلاقية لكي أرضى عنه، ولكني أقول صراحةً أن الكتابة تعاني أزمة في استقبال بعض أدواتها، وتغيب أدوات كثيرة عن ساحة الكتابة وتتعدد الأعمال الناقصة، ومن الأكيد أن أحاديثي المتتابعة في هذه السلسلة سأعرض فيها بعض تلك الأدوات، ولكن حتى ذلك الوقت أقول للقارئ إن عليه إعادة تعريفه للقراءة من حيث إنها سماع لما يؤكد آراءه إلى السماع المطلق، وأن مسألة الأخلاقية في الكتابة هو كيف يستخدم الكاتب أدواته، وليس ما يذكره الكاتب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد